انضمام أميركا رسميا إلى نادي جمهوريات التعذيب
كتب / فهمي هويدي
أخيرا تم تقنين التعذيب فى الولايات المتحدة، شريطة ألا يطال المواطنين الأمريكيين، حتى الآن على الأقل. فقد أقر مجلس النواب هذا الأسبوع قانونا جديدا ـ سبق أن مرره مجلس الشيوخ ـ بخصوص محاكمة واستجواب «الارهابيين»، وهذه هي المرة الأولى التي يصبح فيها تعذيب المتهمين «قانونيا» في النظام الامريكي، كما أن هذه هي المرة الأولى التي تقدم فيها دولة على الالتفاف على معاهدة جنيف بشأن الأسرى، التي تحظر مادتها الثالثة «المعاملة المهينة والمساس بالكرامة الشخصية للمعتقلين»، الأمر الذي يعد انتكاسة خطيرة سياسية وأخلاقية تفتح الباب واسعا لتقنين التعذيب، اقتداء بممارسات الدولة العظمى، على نحو يدخل العالم الى عصر جديد، تضفى فيه الشرعية على انتهاكات حقوق الانسان.
مناسبة اصدار القانون الجديد، هي تعدد أحكام المحاكم الأمريكية بشأن مصير مئات الأسرى، الذين أودعتهم الولايات المتحدة سجن جوانتانامو منذ عدة سنوات، وتعرضوا للتعذيب أثناء استجوابهم. ومن ثم كتب عليهم ان يظلوا محتجزين لآجال غير معلومة، على ذمة تهم غامضة غير معروفة، وهو وضع لم تقبل به المحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة، التي قضت في عام 2004 بأن المعتقلين يجب أن يتمتعوا بحق الاحتجاج على اعتقالهم امام المحاكم الفيدرالية، الأمر الذي شجع المحامين على رفع حوالي 400 قضية امام المحاكم تتعلق بحقوق المعتقلين ومصيرهم، مما سبب إحراجا كبيرا للإدارة الأمريكية المقبلة على انتخابات تشريعية فى الشهر القادم. ذلك أن من شأن تلك القضايا أن تفضح ممارساتها في جوانتانامو، التي جرى التعتيم عليها طول الوقت، ولم يدرك الرأي العام بعد وجهها القبيح، على النحو الذي حدث مع انفضاح أمر سجن ابو غريب والممارسات البشعة التي وقعت فيه.
الاجراء الذي لجأت اليه الادارة الامريكية لم يتمثل فى حل الاشكال عبر توفير محاكمة عادلة للمحتجزين، تعاقب «المذنبين» وتطلق سراح الأبرياء، تمهيدا لاغلاق الملف المشين، خصوصا أن ثمة تقارير ترجح أن 70% من سجناء سجن جوانتانامو أبرياء. ولم تصح الوقائع التي نسبت إليهم وكانت الدافع الى اعتقالهم وترحيلهم الى «الباستيل» الجديد.
لم تسلك الادارة الامريكية السلوك المفترض في اية دولة متحضرة ديمقراطية، ولكنها لجأت إلى تقنين المعاملة المهينة والوضع الشاذ، الذي فرضته على أولئك المعتقلين، مستخدمة في ذلك لافتة الحرب على الارهاب. ومستفيدة من اغلبية الجمهوريين في مجلسي الشيوخ والنواب لتمرير المشروع الجديد، بما يسمح بالتستر على ما كان، وإضفاء الشرعية على مختلف الممارسات التي تقدم عليها ضد المحتجزين، سواء في استنطاقهم أو احتجازهم، أو إخضاعهم للمحاكمة العسكرية والاستثنائية، وفي الوقت ذاته اسقاط جميع القضايا المرفوعة لصالح المحتجزين امام المحاكم الفيدرالية. ناهيك من إبطال مفعول قرار المحكمة العليا بعدم قانونية المحاكم واللجان العسكرية، وعدم شرعية نظرها لقضايا المعتقلين.
لقد أبقى القانون الجديد على السجون السرية، التي كان انكشاف أمرها أخيرا فضيحة جديدة للادارة الأمريكية، كما أتاح للمحققين الأمريكيين استعمال «أساليب شديدة» في استنطاق واستجواب المتهمين ـ غير الامريكيين بطبيعة الحال ـ والاصرار على منع التعذيب الجسدي بالجرح او البتر أو الاغتصاب، في حين أجاز استعمال «وسائل تقنية» اخرى قاسية وغير مألوفة للحصول على المعلومات. وترك القانون للرئيس الامريكي حق تحديد ما هي الأساليب المتبعة في هذا الصدد. وقد أوضح البيت الأبيض أن جزءا من التقنيات المسموح بها، أن القانون يسمح بمحاكمة المحتجزين أمام محاكم عسكرية خاصة، وأضيف انه لا يسمح للمتهمين باستئناف الاحكام امام المحاكم الفيدرالية، بل إن القانون يذهب الى أبعد من حيث انه يسمح باعتماد «الوشاية او الاشاعة او الافادة من شخص آخر»، إذا رأى رئيس المحكمة العسكرية ان لها مصداقيتها (وهو الامر الذي ترفضه بشدة المحاكم الامريكية العادية) ـ وفي ظل تلك الرخصة بات متاحا للأجهزة الأمنية الرسمية إفادتها الخاصة امام المحاكم العسكرية، وألا يكون هناك مجال للطعن في سلامة ذلك الاجراء، بحيث تعتمد تلك الافادات في الإدانة، التي لا مجال للطعن فيها بأي حال.
الخلاصة ان مضمون القانون، وهو يطلق يد السلطات الامريكية في محاكمة المشتبهين والمحتجزين، فانه يهدر على نحو مدهش كافة الضمانات التي كفلتها القوانين لحمايتهم اثناء التحقيق، أو توفير محاكمة عادلة لهم.
(لم يكن الامر سهلا، ولكن الإدارة الأمريكية خاضت لأجل تمرير القانون معركة شرسة استمرت طيلة الأسابيع الماضية، قادتها منظمات الحقوق المدنية، وشارك فيها عدد غير قليل من السياسيين والعسكريين البارزين، الذين حذروا من خطورة مضمون المشروع، ليس فقط على منظومة الحقوق المدنية، ولكن أيضا على السمعة الاخلاقية للولايات المتحدة ـ اذ هي بهذه الخطوة لا تشوه صورتها وسمعتها في العالم فحسب، وإنما أيضا تحدث ثغرة خطيرة في القوانين والمعاهدات الدولية، وبمقتضاها يرخص للدول الكبرى أن تهدر مضمون تلك القوانين والمعاهدات، وتفتح الباب للعبث بالتزاماتها بحجة «توضيحها».
تورط الادارة الامريكية في هذه الفضيحة الجديدة دفع وزير الخارجية السابق كولن باول الى الخروج عن صمته، والجهر بانتقادها، وهو الذي كان عضوا في الحكومة الى ما قبل 20 شهرا خلت. فقال في مقابلة تمت معه قبل عشرة ايام، «ان العالم بدأ الارتياب في الاساس الاخلاقي لكفاحنا ضد الارهاب»، وسجل اعتراضه على إعلان الرئيس بوش عن ان الولايات المتحدة ليست مرغمة على الالتزام بقواعد معاهدات جنيف في تعاملها مع المشتبهين في الضلوع في الإرهاب، مضيفا أن ذلك الموقف من شأنه أن يرسي سابقة بالنسبة للدول الأخرى، قد تعرض القوات الامريكية ذاتها للخطر (في حالة وقوع بعض أفرادها في الأسر وتعرضهم لمثل ما يتعرض له المحتجزون في الولايات المتحدة من تعذيب وإذلال. وتساءل باول أيضا: ماذا يكون موقف الادارة الامريكية لو ان بلدا مثل كوريا الشمالية او اية دولة أخرى سارت على نهجنا في «توضيح» واعادة تعريف بنود معاهدة جنيف، التي تمنع انتهاك الكرامة الشخصية والمعاملة المذلة للسجناء؟).
جديد هذا التطور بالنسبة لنا ولأمثالنا في العالم الثالث لا يتمثل في ممارسة التعذيب وعدم التردد في اهدار الكرامة الانسانية لغير الأمريكيين، ولكنه يتمثل في أمرين، أولهما إضفاء الحماية القانونية على تلك الممارسات والانتهاكات، وثانيهما سقوط الولايات المتحدة رسميا في اختبار الدفاع عن الحريات وحقوق الانسان، وفي الوقت ذاته سقوط كافة الدعاوى الامريكية التي تزعم انحيازا للديمقراطية والحرية.
هذا الوجه القبيح للممارسات الامريكية التي لا تتردد في انتهاك مختلف القيم والمبادئ في عوالم السياسة والقانون والأخلاق، إذا ما وقفت عثرة في طريق تحقيق المصالح والمطامح الأمريكية، يعرفه جيدا كل متابع للسياسة الامريكية منذ حرب إبادة الهنود الحمر وحتى احتلال العراق، مرورا بالممارسات البشعة في امريكا اللاتينية والتواطؤ على تركيع الشعب الفلسطيني وتسويغ قتله بواسطة الاسرائيليين.
وقعت اخيرا على نص محاضرة نشرتها مجلة «وجهات نظر» المصرية «عدد اول سبتمبر (ايلول)» للسفير البريطاني السابق كريج موري عن تجربته فى أوزبكستان التي عمل بها في الفترة ما بين عامي 2002 ـ 2004، وكان قد ألقى تلك المحاضرة في جامعة يورك الانجليزية، وقدم خلالها شهادة مثيرة للدعاية الامريكية الخاصة لنظام الرئيس كريموف، الذي لم يتخل عن أساليب التعذيب البشعة، التي كانت متبعة في العهد الستاليني، وقد وصفه السفير موري، بأنه احد اكثر الديكتاتوريين شرورا في العالم (عدد المعتقلين السياسيين يتراوح بين 10 و40 الفا)، ولأن للولايات المتحدة قاعدة عسكرية فى أوزبكستان تؤدي دورا مهما في وسط آسيا، فان الرئيس كريموف اعتبر أحد أبطال الحرية في العالم المعاصر، في خطاب ألقاه وزير الخزانة الامريكي ادنيل أثناء زيارته للعاصمة الاوزبكية طشقند في عام 2002، كما انه نزل ضيفا على الرئيس بوش، وشرب معه الشاي في البيت الأبيض، وقدمت له واشنطون مساعدات مالية سنوية وصلت الى 500 مليون دولار، وهو رقم يتجاوز بكثير ما تقدمه الادارة الامريكية لكل دول غرب افريقيا.
استوقفني في محاضرة السفير البريطاني ـ الذي قال انه طرد من عمله بسبب موقفه ـ أمران أولهما انه روى وقائع متعددة عبرت عن تواطؤ سفراء الدول الغربية في طشقند، وعدم مبالاتهم بالفظائع التي تجري في أوزبكستان، لمجرد أن الرئيس كريموف حليف للولايات المتحدة، وبلادهم بدورها حليفة لواشنطون. اما ثانيهما فحوار السفير كريج موري مع نظيره الأمريكي في طشقند حول التعذيب البشع الذي يتعرض له سجناء الرأي في أوزبكستان، وتبرير الأخير لتلك الانتهاكات بأنها موجهة ضد المسلمين، بما يعني أن ذلك يعد سببا كافيا يسوغ استباحتهم ما يرتكب بحقهم، ثم قوله ان الولايات المتحدة لا تمارس التعذيب لكنها لا تستطيع ان تمنع اصدقاءها من ممارسته لكسب المعركة ضد الارهاب. وهو كلام يستحق الان ان يراجع من جانب السفير الامريكي، لان بلاده اصبحت في ظل القانون الجديد رائدة في تقنين التعذيب، وبعد ان ظلت تلقننا حتى عهد قريب دروسا في الحرية والديمقراطية، فإنها أخذت عنا بعض رذائلنا وزايدت علينا بهذه الخطوة البائسة، ومن ثم اعلنت الانضمام رسميا الى نادي جمهوريات التعذيب في العالم المعاصر.
المصدر : صحيفة الشرق الأوسط