من لأسرى المسلمين (2/3)
الشيخ : سلمان بن
فهد العودة /
1/6/1423هـ
حقوق
الأسير في الإسلام
1 ـ من حق الأسير عدم إكراهه على ترك دينه فلا يُكره على الدخول في الإسلام،
وإنما يُدعى إلى الإسلام بالتي هي أحسن، وفي العصر الحاضر يعرف هذا بالحرية
الدينية، يقول الله تعالى : "يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم
الله في قلوبكم خيرًا يؤتكم خيرًا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور
رحيم"[الأنفال:70] ففيها استمالة لهؤلاء الأسرى، وتجديد الدعوة لهم، وفتح باب
التوبة أمامهم، وترغيبهم بما يعوضهم عما دفعوا من الفداء، ويعدهم إن هم دخلوا
في الإسلام طائعين مختارين بالرزق الوفير في الدنيا والآخرة والمغفرة لما سلف
من ذنوبهم قبل الإيمان، وفي هذا دليل واضح على أنهم لا يكرهون على الدخول في
الإسلام، ولم يقع قط أن أكره أسير على أن يدخل في الإسلام، ومن الأدلة على ذلك
قصة ثمامة بن أثال الحنفي وهي في البخاري (4372) ومسلم (1764) من حديث أبي
هريرة – رضي الله عنه - وكان مشركاً أسره جيش المسلمين وربط في المسجد فأتاه
الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له: (ما عندك يا ثمامة) فقال : عندي خير يا
محمد إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه
ما شئت، فتركه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فلمّا كان من الغد قال له مثل
ذلك، وفي اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم : (أطلقوا ثمامة) فأطلقوه
فإذا به يذهب ويغتسل ويعود فيقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول
الله، والله يا محمد ما كان على ظهر الأرض وجه أبغض إلي من وجهك فقد أصبح وجهك
أحب الوجوه كلها إليّ، والله ما كان على ظهر الأرض دين أبغض عليّ من دينك فأصبح
دينك أحب الدين كله إليّ، والله ما كان على وجه الأرض بلد أبغض إليّ من بلدك
فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليّ .
وهكذا أثرت هذه المعاملة الحسنة والخلق الكريم، في استمالة قلب رجل غير عادي،
إنه ليس من بسطاء الناس أو سذجهم، بل هو سيد قومه، ولم يكن إسلامه إسلام تقية
أو خوفاً على نفسه وحياته .
2 ـ ومن حقوقه إطعامه ما يكفيه من الطعام والشراب، ولهذا يقول الله سبحانه
وتعالى : "ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً * إنما نطعمكم لوجه
الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً" [الإنسان:8-9] ففي هاتين الآيتين دليل على
أن إطعام الأسير قربة يتقرب بها المؤمن إلى ربه سبحانه وتعالى، ولهذا قال :
"نطعمكم لوجه الله" وفيها أن المؤمن يؤثر الأسير حتى على نفسه "ويطعمون الطعام
على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً" ومعنى هذا أنه لم يطعمه مما فضل من قوته،
وإنما يطعمه من طيب طعامه مع حاجته إليه ومحبته له، ولذلك كان منع الطعام عن
الأسير من الكبائر كما جاء في حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله –
صلى الله عليه وسلم – قال : "عُذبتْ إمرأة في هرة ، سجنتها حتى ماتت، فدخلت
فيها النار، لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش
الأرض" رواه البخاري (3482) ومسلم (2242) .
فلما كان الحبسُ مانعاً للمحبوس من التصرف في أمر معاشه وكسبه وجب على حابسه أن
يقوم بحقه، ولو كان ذلك في حق الحيوان، فما بالك بالإنسـان الذي كرمه الله
تبارك وتعالى "ولقد كرمنا بني آدم" [الإسراء:70] ويكفي أن الله سبحانه قرن حق
الأسير بالمسكين واليتيم "مسكيناً ويتيماً وأسيرًا" [الإنسان:8] حثاً على
القيام على إطعامه والإحسان إليه، وقد يكون هذا الإحسان سبباً في هدايته، كما
كان الأمر في شأن ثمامة رضي الله عنه .
3 ـ حقه في الكسوة والثياب المناسبة التي تليق به وتجدر بمثله وقد روى البخاري
في صحيحه من حديث جابر- رضي الله عنه - قال : "لما كان يوم بدر أتي بأسارى وأتي
بالعباس، ولم يكن عليه ثوب فنظر النبي صلى الله عليه وسلم له قميصاً، فوجدوا
قميص عبد الله بن أبيّ يقدر عليه فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه . . "
البخاري (3008)، فالإسلام يضمن للأسير حق الكسوة والثياب المناسبة .
4 ـ المأوى والسكن المناسب أياً كان فقد يُسكن في المسجد أو يُسكن في سجن خاص
ويكون ملائماً أو حتى في بيوت بعض المؤمنين، وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم
لم يكن هناك دار خاصة للأسرى ولا للسجن، ولهذا ربما سجن الأسير في المسجد،
وربما وزع الأسرى على المسلمين في بيوتهم إلى أن يُنظر في شأنهم، وقد روى
البيهقي في سُننه (9/89) عن ذكوان عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل
عليها بأسير وعندها نسوة، فلهينها عنه فذهب الأسير فجاء النبي صلى الله عليه
وسلم فقال يا عائشة : (أين الأسير؟) قالت: نسوة كُنَّ عندي فلهينني عنه، فذهب
فقال : رسول الله – صلى الله عليه وسلم – "قطع الله يدك" وخرج فأرسل في أثره
فجيء به فدخل النبي – صلى الله عليه وسلم – وإذا عائشة – رضي الله عنها – قد
أخرجت يديها فقال مالك قالت يا رسول الله إنك دعوت علىَّ بقطع يدي وإني معلقة
يدي أنتظر من يقطعها، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أجننت؟ ثم رفع يديه
وقال : (اللهم من كنت دعوت عليه فاجعله له كفارةً وطهورًا)، قال الذهبي عن هذا
الحديث : إسناده جيّد .
وقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية (5/191) أن الرسول صلى الله عليه وسلم
فرق أسرى بدر على أصحابه، وروى الإمام أحمد (2216) عن ابن عباس أن النبي صلى
الله عليه وسلم جعل ناساً من الأسرى الذين كانوا يتقنون القراءة والكتابة
يُعلمون أولاد الأنصار القراءة والكتابة، وجعل ذلك فداءهم وفكاكهم، ومن المعلوم
أن الأسير كي يُعلم ويكتب لابد أن يكون طليقاً غير مقيد ولا مربوط، وقادراً على
الذهاب والإياب، والوثاق إنما جُعل لمنعه من الهرب فإذا أمكن منعه بلا وثاق فلا
حاجة إليه .
5 ـ لا يفرق في الأسرى بين الوالدة وولدها أو بين الولد ووالده وبين الأخ
وأخيه، وهذا ورد في حكم السبي، و السبي نوع من الأسر، وإن كان يطلق في الغالب
على النساء والذرية، والتفريق بينهم وبين الأسرى إنما هو أمر اصطلاحي، وإلا
فالكل أسرى، وقد جاء في حديث رواه الإمام أحمد (23499) وأهل السنن الترمذي
(1283) وابن ماجه (2250) من حديث أبي موسى وأبو داود (2696) من حديث علي – رضي
الله عنه -عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من
فرق بين والدة وولدها ـ يعني من السبي ـ فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة)
قال الترمذي : وهذا حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، كرهوا التفريق في السبي بين الوالدة وولدها
وبين الولد والوالد وبين الإخوة .
وأعجب من ذلك أن الدارمي (2479) روى هذا الحديث، وذكر في أوله أن أبا أيوب رضي
الله عنه كان في جيش ففرق بين الصبيان وبين أمهاتهم من الأسرى فرآهم يبكون فجعل
يرد الصبي إلى أمه ويقول : إن رسول صلى الله عليه وسلم قال : ( من فرق بين
والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة ) .
فانظر كيف بلغ الرفق والرحمة والشفقة والعدل بالمسلمين في الجمع بين الإخوة
وبين الآباء والأمهات والأولاد من الأسرى .
6 ـ عدم تعريضهم للتعذيب بغير حق فلا يمكن أن نعذبهم مثلاً لأنهم قاتلونا، ولم
ينقل في الشرع أنه أُمر بتعذيبهم، ولا أنه حصل لهم تعذيب خلال عصور العزة
الإسلامية، وذلك لأنه إذا كان المسلم مأمورًا بإكرامهم وإطعامهم وسقيهم والجمع
بينهم فإن تعذيبهم يتنافى مع هذا الأمر، اللهم إلا أن يكون هناك حالات خاصة
يتطلب الأمر فيها أن يُمس بشيء من العذاب قليل لا يؤثر عليه من أجل كشف أمور
يُعلم أنها موجودة عنده كما في حديث ابن عمر – رضي الله عنه – أن رسول الله –
صلى الله عليه وسلم – قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم فغلب على الأرض
والزرع والنخل فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله –
صلى الله عليه وسلم – الصفراء والبيضاء ويخرجون منها واشترط عليهم أن لا يكتموا
ولا يغيبوا شيئاً فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحي
بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير فقال رسول الله – صلى الله
عليه وسلم – لعم حيّ ما فعل مسك حيّ الذي جاء به من النضير فقال : أذهبته
النفقات والحروب فقال : العهد قريب والمال أكثر من ذلك فدفعه رسول الله – صلى
الله عليه وسلم – إلى الزبير فمسه بعذاب وقد كان حيّ قبل ذلك دخل خربة فقال :
قد رأيت حيّ يطوف في خربة ههنا فذهبوا وطافوا فوجدوا المسك في الخربة . . "
الحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى (9/137) وقال ابن حجر في الفتح (7/479)
إسناد رجال ثقات .
وأما قتل النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأسرى فذلك لأن لهم سوابق وجرائم في حق
المسلمين استوجبت قتلهم، ولهذا جاء في التاج والإكليل أنه قيل لمالك: أيعذب
الأسير إن رُجي أن يدل على عورة العدو ؟! فقال : ما سمعت بذلك.
وكان جماعة من السلف يكرهون قتل الأسرى، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل من
الأسرى خلال حروبه الطويلة إلا عددًا قليلاً كانوا من أكابر عتاة المشركين
وقادة الحرب الضروس الفاجرة ضد الإسلام وأهله، ويمكن أن نطلق عليهم حسب التعبير
المعروف اليوم (مجرمي حرب) وقد روى مسلم في صحيحه (1779) أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم حين بلغه مقدم أبي سفيان ومن معه شاور أصحابه فيما يصنع، وفي القصة
أنهم ظفروا بغلام، فأخذوه، فكان أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم –
يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه، فيقول : مالي علمٌ بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل
وعتبة وشيبة وأمية ابن خلف، فإذا قال ذلك ضربوه، فقال : نعم أنا أخبركم هذا أبو
سفيان، فإذا تركوه فسألوه فقال : مالي بأبي سفيان علم، ولكن هذا أبو جهل وعتبة
وشيبة وأمية بن خلف في الناس فإذا قال : هذا أيضاً ضربوه ورسول الله – صلى الله
عليه وسلم – قائمٌ يصلي فلمّا رأى ذلك انصرف، قال : "والذي نفسي بيده لتضربوه
إذا صدقكم وتتركوه إذا كذبكم".
فهذا دليل على أنه ينبغي ألا يكون هناك عدوان على الأسرى، ولا تعذيب لهم بغير
حق، وإذا كانت هذه الأشياء كلها مطلوبة فالإسلام يوجب أن يكون لهم العلاج
المناسب والمعاملة الحسنة وأن لا يظلم أحد منهم في نفس أو أهل أو مال .
من أحكام الأسر في الإسلام
1ـ يجوز للمسلم إذا لم يقدر على المدافعة في حرب من الحروب أن يستأسر للعدو،
وقد ذكر البخاري في صحيحه (3989) قصة خبيب بن عدي ومن معه، وكيف أنهم استأسروا
للكفار ثم جاءوا بهم وباعوهم في مكة، وصلبوهم، وقال خبيب رضي الله عنه قصيدته
المشهورة :
|
ولســـت أبالي حــــين أقـــتل مسلماً |
|
على أي جنب كان في الله مصرعي |
وذلك في ذات الإلـــــــه وإن يــــشأ |
|
يبارك على أوصال شـلوٍ ممـــــزعِ |
2ـ فكاك الأسير المسلم من القربات والطاعات وفضائل الأعمال، فقد روى البخاري في
صحيحه (3406) من حديث أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
(فكوا العاني ـ يعني الأسير ـ وأطعموا الجائع وعودوا المريض) وفي البخاري
(3047) ومسلم (1370) من حديث أبي جحيفة لما سأل علياً رضي الله عنه هل عندكم
شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله ؟ قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه
إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة قلت : وما في
الصحيفة ؟ قال : العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر " .
ففكاك الأسير من الطاعات والقربات التي ينبغي أن يسعى المسلمون إليها ما
استطاعوا، ومهما بذلوا في سبيل ذلك من الجاه والقوة والمال والجهد والمخاطرة،
خاصة مع تطور وسائل الاتصال والتأثير والضغط وإمكانية العمل المثمر لفك الأسرى
وتحسين ظروفهم .
3ـ روى البخاري في صحيحه معلقاً في كتاب : الطلاق ، باب : حكم المفقود في أهله
وماله عن الزهري أنه قال : الأسير إذا عُلم مكانه فإنه لا تتزوج امرأته ولا
يقسم ماله، فإذا انقطع خبره فسنته سنة المفقود. على الخلاف المعروف بين الفقهاء
.
4ـ بوّب البخاري في صحيحه كتاب الفرائض "باب ميراث الأسير" ثم قال : "وكان شريح
يُوَرِّثُ الأسير الذي يكون في أيدي العدو، ويقول : هو أحوج إلى المال من غيره
" وهكذا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال : " أجز وصية الأسير وعتاقه، وما
صنع في ماله ما لم يتغير عن دينه، فإنما هو ماله يصنع فيه ما يشاء " .
5ـ إذا أُسِر أسير كافر ثم قال : إني مسلم فما الحكم ؟
روى مسلم في صحيحه (1641) عن عمران بن حصين قال : كانت ثقيف حلفاء لبنى عقيل
فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسر أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني عقيل وأصابوا معه العضباء فأتى عليه رسولُ
الله صلى الله عليه وسلم وهو في الوثاق، قال : يا محمد . فأتاه فقال : (ما شأنك
؟) فقال : بم أخذتني ؟ وبم أخذت سابقة الحاج ؟ فقال : إعظاماً لذلك (أخذتك
بجريرة حلفائك ثقيف) ثم انصرف عنه، فناداه فقال : يا محمد يا محمد، وكان رسول
الله صلى الله عليه وسلم رحيماً رقيقاً، فرجع إليه فقال : (ما شأنك ؟) قال :
إني مسلم قال : (لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح) ثم انصرف ... ثم إن
الرسول بدا له ففداه برجلين من المسلمين وأمسك الناقة لنفسه .
وقد جاء ما يدل على قبول إسلام الأسير، ومن ذلك الحديث الذي رواه البخاري
(4269) ومسلم (96) واللفظ له في قصة أسامة بن زيد حينما قتل رجلاً مقاتلاً
بعدما قال : لا إله إلا الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (أقتلته
بعدما قال : لا إله إلا الله؟ فكيف تصنع بـ لا إله إلا الله إذا جاء يوم
القيامة ؟) .
فإذا أسلم الأسير فقد عصم دمه لحديث (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله
إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم...) البخاري
(25) ومسلم (21) واللفظ له .
6ـ أسير الحرب يُعتبر أسير الدولة المسلمة، وليس أسيرًا للشخص الذي أسره، ولذلك
فالرأي فيه للإمام , وعلى الإمام أن ينظر ما فيه مصلحة المسلمين، فله أن يمنّ
على الأسرى بدون مقابل كما أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم ثمامة بن أثال سبق
تخريجه، وكما أطلق النبي صلى الله عليه وسلم ثمانين رجلاً في غزوة الحديبية،
وكانوا نزلوا لقتال النبي صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم، والحديث في صحيح مسلم
(1807)، وله أخذ الفدية كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أسرى بدر وغيرهم
مسلم (1764)، وله مبادلتهم بأسرى مسلمين عند الكفار كما في حديث عمران بن حصين
الذي سبق، وكما في حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه" أن الرسول صلى الله عليه
وسلم بعث بامرأة من المشركين وقعت في الأسر إلى مكة، وفي أيديهم أسارى من
المسلمين ففداهم الرسول بتلك المرأة" وهو حديث صحيح انظر : مسلم (1755) والإمام
أحمد (16502) والنسائي (8665) وابن ماجة (2846) .
7- هل للمسلمين أن يقتلوا الأسير إذا رأوا المصلحة في ذلك كما قتل النبي صلى
الله عليه وسلم بعض الأسرى ممن كان بقاؤه خطراً على المسلمين مثل عبد الله بن
خطل ففي صحيح البخاري (1846) ومسلم (1357) واللفظ للبخاري عن أنس بن مالك أن
النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاء
رجل فقال : إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال : (اقتلوه)، وكذلك قتل
الجاريتين اللتين كانتا تغنيان بهجاء النبي – صلى الله عليه وسلم – انظر : أبو
داود (2684)، وكذلك أبو ليلى الشاعر الذي قال يا محمد من للصبية ؟ فقال :
(النار) وقتله؛ لأنه غدر مرة بعد أخرى انظر ما رواه الحاكم في المستدرك (2618)
والبيهقي في السنن الكبري (6/323)، إلى غير ذلك من الأحداث، فهل للإمام أن يقتل
الأسير بعد أسره أو ليس له ذلك ؟
في المسألة خلاف فقهي، والراجح فيها ـ والله أعلم ـ أنه لا يقتله لمجرد التشهي،
لكن يمكن أن يقتل المسلمون من ثبتت عليه جرائم وأعمال ومخالفات يستحق عليها
العقوبة، كما حصل في القصص التي نقلت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا كره
الحسن وعطاء ـ وهما من فقهاء السلفـ قتل الأسير، وجاء الحجاج بأسير مكبّل إلى
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فقال له : قم يا عبد الله بن عمر فاقتله .
فقال ابن عمر : ما بهذا أمرنا، فإن الله يقول : "فإما منا بعد وإما فداء" أي
بعد الأسر، فلم يذكر القتل، وإنما ذكر المنّ أوالفداء، وفيه قصة أخرى لابن عمر
رضي الله عنهما لما أمره أمير بقتل أسير، فقال : أما وهو مصرور فلا .
والصَّرُّ هو التقييد والتكبيل، فكأن ابن عمر يقول : أما وقد أسرته ووثقته
فأصبح أسيرًا فلا، يعني لو قتلته في ميدان المعركة فهذا باب آخر، ولهذا قال ابن
مفلح من فقهاء الحنابلة : ومن أسر أسيرًا حَرُمَ على الأصح قتله . وهذا هو
المذهب، وحكى الحسن بن محمد التميمي أن هذا كان إجماع الصحابة رضي الله عنهم
وأرضاهم أنهم لا يقتلون الأسير .
هذا جانب من عظمة الإسلام ومن نظام الإسلام في التعامل مع الأسرى الذين هم كفار
أولاً، وأعداء ثانياً، ومحاربون مقاتلون تم أسرهم في ميدان المعركة ثالثاً .
ت