من لأسرى المسلمين (1/3)
الشيخ : سلمان بن
فهد العودة /
تعيش مجموعة من الأسرى المسلمين في معسكر " إكس راي " بجوانتانامو وضعاً
متفرداً صعباً يستوجب من أهل الإسلام وقفة تعاطف ومناصرة جادة ، ولابد من تحريك
هذا الموضوع على أكثر من صعيد ، ولعل هذه الكلمة مشاركة في هذا المجهود الواجب
.
ويتعين مثل هذا العمل لأسرى الفلسطينيين في إسرائيل ، وأسرى المسلمين في سجون
روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها.
والأسر ظاهرة مرتبطة بالحياة البشرية ، وبالحرب على وجه الخصوص ، والأسير أخيذ
الحرب ، وقد تطلق على من يؤخذ سلماً ، أو من يسجن أو يؤسر .
وكان الأسير في الأمم المتوحشة مهدر الحقوق ، من حقهم أن يصلبوه أو يُحرقوه أو
يقتلوه أو يعذبوه بما شاءوا دون مسائلة بل يوجد عند بعض الأمم والشعوب القديمة
كالشعب الأقيانوسي عادة أكل لحم الأسير .
والأسر بمرارته وغربته وغموض مستقبله وانقطاع الإنسان عن أحبته وأهله وزوجه
وولده وقرابته يشوي الأسير بنيران الشوق واللهفة والمحبة والتوقع ، ولذلك كان
الأسر فرصة للإبداع وللشعر وللكتابة ، وهذه المعاناة الصادقة الجادة كانت وراء
الكثير من الإبداع العلمي والأدبي والحيوي ، ويحفظ التاريخ لنا من ذلك ما لا
يمكن حصره ، خصوصاً وأن المأسور والمسجون غالباً ما يعيش نوعاً من الفراغ .
المعتمد بن عبّاد الأمير الشهير أسر في الأندلس وسيق للمغرب وسجن بأغمات إلى أن
مات ، فكان يقول لما زارته بناته في الأسر يوم العيد :
|
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا
|
|
فساءك العيد في أغمـات مأسورا
|
ترى بناتك في الأطـمار جائعة
|
|
يغزلن للـناس لا يملكن قطميرا
|
خرجن نحوك للتـسليم خاشعة
|
|
أبصارهن حـسيرات مكاسيرا
|
يطأن في الـطين والأقدام حافية
|
|
كأنها لم تطـأ مسـكاً وكافورا
|
من بات بعدك في ملك يُسـرُّ به
|
|
فإنما بات بالأحـلام مغرورا
|
وللمتنبي شاعر العربية قصائد مشهورة منها القصيدة التي
قالها وهو سجين :
|
دعوتك لـما براني البـلى
|
|
وأوهن رجـليَّ ثقلُ الحديدِ
|
دعوتك عند انقطاع الرجا ء
|
|
والمـوت مني كحبل الوريدِ
|
وقد كان مشيـهما في النعال
|
|
فقد صـار مشيهما في القيودِ
|
ومنها ما كتبه لرجل يقال له أبو دلف حين أرسل له هدية في
سجنه ، وكان قد ذكره عند السلطان بسوء :
|
أهون بطول الثـواء والتلف
|
|
والسجـن والقيد يا أبا دلفِ
|
غير اختيـار قبلت برّك بي
|
|
والجوع يرضي الأسود بالجيفِ
|
كن أيها السـجن كيف شئت فقد
|
|
وطنت للموت نفـس معترفِ
|
لو كان سكـناي فيك منقصة
|
|
لم يكن الدر ساكن الصـدفِ
|
ومن غرر قصائد علي بن الجهم التي قالها في الأسر ، وهو شاعر
فحل مشهور سُنّي :
|
قالوا:حبستَ فقلت:ليس بضائري
|
|
حبـسي وأيُّ مـهند لا يُغمدُ
|
لا يؤيسـنك من تفـرج كربة
|
|
خطب رمـاك به الزمان الأنكدُ
|
كم من عليل قد تخـطاه الردى
|
|
فنـجا ومات طـبيبه والعُوَّدُ
|
صبرًا فإن الصبر يعقب راحة
|
|
ويَدُ المـهيمن لا تـطاولها يدُ
|
ولـكل حال مـعقب ولربما
|
|
أجلى لك المـكروه عما يُحمدُ
|
و لصالح بن عبد القدوس قصيدة متداولة ، وروي بعضها لعبد
الله بن معاوية :
|
خرجنا من الدنيا ونحن من أهـلها
|
|
فلسنا من الأموات فيها ولا الأحـيا
|
|
إذا جاءنا السجّان يومـاً لحاجة
|
|
عجبنا وقلنا : جاء هـذا من الدنيا
|
|
ونفرح بالرؤيا فـجل حديثـنا
|
|
إذا نحن أصحبنا الحديث عن الرؤيا
|
|
فإن حسنت كانت بطيئاً مجيئها
|
|
وإن قبحـت لم تنتظر وأتت سعيا
|
ومن شهير هذا الباب القصائد الرومية لأبي فراس الحمداني ،
ومن غررها ودررها القصيدة المشهورة :
|
أراك عصـيَّ الدمع شيمتك الصبرُ
|
|
أما للهوى نهيُ عليـك ولا أمرُ
|
بلى أنا مشـتاق وعـندي لوعة
|
|
ولكن مـثـلي لا يذاعُ لـه سرُّ
|
تكاد تضـيء النار بيـن جوانحي
|
|
إذا هـي أذكتها الصـبابة والفكرُ
|
مـعللتي بالوصل والمـوت دونه
|
|
إذا مـتُ ظمـئاناً فلا نزل القطرُ
|
أسرتُ وما صحبي بعزل لدى الوغى
|
|
ولا فرسي مـهرٌ ولا ربه غمرُ
|
ولكن إذا حم القـضاء على امرئ
|
|
فليـس لـه بر يقيه ولا بحـر
|
وقال أصيـحابي : الفرارُ أو الردى
|
|
فقلت :هما أمـران أحلاهما مُرُّ
|
ولكنني أمـضي لما لا يعيبني
|
|
وحسبك من أمرين خـيرهما الأسرُ
|
تهون علـينا في المـعالي نفوسنا
|
|
ومن خطب الحـسناء لم يغلها المهرُ
|
ومن عيون الشعر المعاصر قصيدة " رسالة في ليلة التنفيذ "
للشاعر هاشم الرفاعي :
|
أبتاه مـاذا قد يخط بناني ؟
|
|
والسيف والجلاد ينتظراني
|
وقصيدة الأستاذ سيد قطب " من وراء القضبان " :
|
أخي أنت حر وراء السدود
|
|
أخي أنـت حر بتلك القيود
|
إذا كنـت بالله مستعصماً
|
|
فماذا يضـيرك كيد العبيد ؟
|
ولأن الأسر جزء من الحياة البشرية كما هو الشأن في الحرب
ذاتها ، فإن الإسلام قد نظم شأن الأسير وكيفية التعامل معه وفق المنهج الرباني
القائم على العدل والإحسان ، ومن خلال عرض سريع نتبين طريقة الإسلام في التعامل
مع الأسير ، وطريقة القانون الوضعي الذي جاء بعد الحرب العالمية الثانية ، وبعد
المشاكل الطويلة العريضة والقتلى والأسرى بمئات الآلاف ، بينما النظام الإسلامي
جاء ابتداءً دون معاناة ولا اعتبارات وقتية ولا ضغوط خاصة .
نظام الأسرى في الإسلام
شرع الله سبحانه الأسر كما في قوله تعالى : "حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق"
والحرب الشرعية العادلة لابد منها لمقاومة المعتدين والظالمين ودفع العدوان
وإزالة العقبات التي تحول بين الناس وبين معرفة الحق واتباعه ، فإن الأسر جزء
من مقتضيات الحرب ، ولهذا قال سبحانه : " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب "
وهذا طبيعي فلا يتوقع أحد أن يقال : إذا لقيتم الذين كفروا فانثروا الورود
والرياحين في وجوههم ؛ لأن المقام مقام حسم ومصارمة ، يقول المتنبي :
|
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا
|
|
مضر كوضع السيف في موضع الندى
|
وقال أحمد شوقي :
|
والشر إن تلقه بالخير ضقت به
|
|
ذرعـاً وإن تلقه بالشر ينحسم
|
ولآخر :
|
والناس إن تركوا البرهان واعتسفوا
|
|
فالحرب أجدى على الدنيا من السلم
|
فالحرب جزء من الحياة متى كانت حرباً عادلة لا يُقصد بها
مجرد التوسع الإمبراطوري الظالم ، ولا العدوان والبغي بغير حق ، وكم لهذه
الحروب من أثر في بناء الحضارة وتجديد نسيجها واستئصال آفاتها .
وفي كتاب الله تعالى آيتان تتحدثان عن الأسرى :
الأولى : قول الله سبحانه وتعالى : " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في
الأرض " وهذه الآية نزلت بعد معركة بدر لما أسر المسلمون من أسروا من المشركين
.
الثانية : قوله تعالى : " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا
أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منّا بعد وإما فداءً حتى تضع الحرب أوزارها " وفي
كلام أهل العلم اختلاف ، لكن الراجح أنه ليس بين الآيتين تعارض ولا نسخ فإن
المعنى واحد ، فالله تعالى يقول في الآية الأولى : "ما كان لنبي أن يكون له
أسرى حتى يثخن في الأرض " فإذا أثخنوا في قتل أعداءهم حتى يكون عندهم خوف ورعب
فبعد ذلك يأتي النص الآخر الذي يأذن بالأسر بعد الإثخان " إذا أثخنتموهم فشدوا
الوثاق " فالأسر يكون بعد الإثخان وليس معه أو قبله ، فليس ثمت نهي عن الأسر ،
وإنما أمر أن يكون الإثخان هو الأول ، وبعده يأتي الأسر .
فالإثخان لتحطيم قوة العدو وكسر شوكته ثم يكون الأسر ، والحكمة فيه ظاهرة ؛ لأن
إزالة القوة المعتدية المعادية هو الهدف الأول من القتال ، ولهذا يقول الشيخ
رشيد رضا في تفسير المنار : [جملة القول في تفسير الآيات أنه ليس من سنة
الأنبياء ولا مما ينبغي لأحد منهم أن يكون له أسرى يفاديهم أو يمنُ عليهم إلا
بعد أن يكون له الغلبُ والسلطان على أعدائه وأعداء الله الكافرين ]