استنقاذ الأسرى بالحرب في تاريخ المسلمين
أوجب الله سبحانه
وتعالى فكاك الأسير من أيدي الكافرين حتى بالقتال فإن من هدي النبي صلى الله
عليه وسلم أيضاً تخليص أسرى المسلمين بخطف من يكون خطفه سبباً لفكاك أسرى
المسلمين ، وفق شروط سنذكرها .
وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا
الأمر بعينه كما جاء عند مسلم عن عمران بن حصين قال كانت ثقيف حلفاء لبنى عقيل
فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسر أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم رجلا من بني عقيل وأصابوا معه العضباء فأتى عليه رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهو في الوثاق قال يا محمد فأتاه فقال ما شأنك فقال بم
أخذتني وبم أخذت سابقة الحاج فقال إعظاما لذلك أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف
.
وفي هذا الخبر بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسر هذا الرجل مقابل أسر
حلفاء قومه لرجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى فادى الرجلين من
أصحابه بهذا الأسير الذي أخذه بجريرة حلفاء قومه ، وفي هذا دلالة واضحة لأسلوب
النبي صلى الله عليه وسلم لإطلاق الأسرى بمثل هذه الطريقة بشروط منها :
1-
أن يكون المخطوف من كفار تلك الدار المحاربة .
2- ألا يكون الكافر المخطوف
من أصحاب العهد أو الذمة أو الائتمان .
3- وألا يترتب على خطفه ضرر
أعظم ومفسدة أكبر من المصلحة المرجوة بحيث يكون خطفه سبباً فاعلاً لتخليص أسرى
المسلمين ، وهذا الأمر يقدره أهل العلم والمعرفة بالواقع .
4- المرأة
إن كانت محاربة جاز خطفها وقتلها إذا لزم الأمر ، وذا لم تكن محاربة أو معينة
للحرب فيجوز خطفها ولا يجوز قتلها .
ذكر صاحب كتاب مشارع
الأشواق إلى مصارع العشاق
(2/832):
"المثال الأول" :
عن أبي
بكر بن العربي أن بعض الملوك عاهد كافرا على أن لايحبسوا أسيرا فدخل رجل من
المسلمين جهة بلادهم فمر على بيت مغلق فنادته امرأة إني أسيرة فأبلغ صاحبك خبري
فلما اجتمع به وتجاذبا ذيل الحديث انتهى الخبر إلي هذه المرأة فما أكمل حديثه
حتى قام الأمير على قدميه وخرج غازيا من فوره ومشى إلى الثغر حتى أخرج الأسيرة
واستولى على الموضع .
"المثال الثاني"
:
ثم ذكر قصة مماثلة عن المنصور بن أبي عامر وموضع الشاهد
منها أن امرأة تلقته وهو عائد من غزوة منتصرا فقالت أنت والناس يفرحون وأنا
باكية!! حزينة قال ولم؟ قالت ولدي أسرفي بلد من بلاد الروم فسير العساكر لوقته
راجعة إلي البلاد حتى أحضروا ولدها .
ثم علق قائلا : فرحم الله تلك الأمم
الخلية بتلك الهمم العالية وأثابهم على إعزاز دين الإسلام رضوانه التام في دار
السلام .
"المثال الثالث":
ثم ذكر
عن القوصي قال بلغ المعتصم أن علجا من علوج الفرنج لطم امرأة أسيرة من عمورية
فقالت وامعتصماه فقال لها العلج لايجيء المعتصم إلا على فرس أبلق فسير المعتصم
إلى سائر الجهات في طلب الخيل البلق وبذل فيها الأموال الجزيلة والخلع النفيسة
حتى كمل له ثمانية عشر ألف فرس أبلق و قيل ثمانون ألف سار إليها بقوة العزم
وصدق النية والغيرة على دين الله ففتحها الله على يده ولم تكن فتحت قبل ذلك
وسبا وقتل و حرقها بالنار وأحرق جمعا كبيرا و أحضر العلج و المرأة بين يديه وهو
راكب على فرس أبلق وقال له قد جئتك قد جئتك على فرس أبلق.
ثم علق الشيخ علي
ذلك: فهكذا فليكن إعزاز الدين ومثل هذا ينبغي أن تكون أئمة المسلمين( 2/834)
"المثال
الرابع":
ورويَ أنّ الحجّاج بن يوسف
الثّقفي غضب على واليه في السّند غضباً شديداً، وذلك بسبب امرأة أسرت من
المسلمين وأدخلت إلى بلاد السّند فجهّز الجيوش المتواصـلة، وأنفق بيوت الأموال
حتّى استنقذ المرأة وردّها إلى أهلها ومدينتها. ( الموالاة والمعادة
1/327)