حقوقيون : مقاتلو القاعدة بكوبا أسرى حرب 

القاهرة – نشوة نشأت – إسلام أون لاين.نت/ 14-1-2002 

أكد العديد من المحللين السياسيين أن الأفراد التابعين لحركة طالبان وتنظيم القاعدة الذين احتجزتهم الولايات المتحدة في قاعدة "جوانتانامو" بكوبا يُعتبرون أسرى حرب، وتنطبق عليهم اتفاقيات جنيف لأسرى الحرب الموقعة عام 1949.

 وقال د. "محمد السيد سعيد" رئيس مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان لشبكة "إسلام أون لاين.نت" الإثنين 14-1-2002: "إن ما ذكرته وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) بأن مقاتلي القاعدة ليسوا أسرى حرب غير صحيح؛ لأن هؤلاء المقاتلين تم أَسْرُهم في حرب دارت رحاها -وما تزال- بين أفغانستان والولايات المتحدة. وأضاف أنه حتى مع افتراض أن عناصر القاعدة لا يُعتبرون أسرى حرب؛ فهم مدنيون ينبغي مراعاة حقوقهم المدنية، وهذا الأمر يُعد أكثر خطورة؛ فحقوق المدنيين أوسع بكثير من حقوق الأسير.

ويتسأل د. سعيد: "ألم يقبض على مقاتلي القاعدة في المعركة، وحتى لو افترضنا أنهم رعايا دول محاربة؛ فما معنى أن تحرمه أمريكا من حقوق الإنسان؟ وقبل أن يكون عناصر القاعدة أسرى، وتنطبق عليهم اتفاقيات جنيف؛ فهم مدنيون يجب مراعاة حقوقهم الإنسانية المنصوص عليها بشكل واضح في الاتفافيات الدولية، ولايجوز معاملتهم بهذه الطريقة البشعة؛ فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته".

وأضاف د. سعيد أن "ما ذكرته الأنباء حول قيام القوات الأمريكية بسوء معاملة أسرى القاعدة، من حيث تقييدهم بسلاسل شُدَّت إلى مقاعدهم في الطائرة، وتغطية رؤوسهم أثناء الرحلة الجوية من أفغانستان لقاعدة "جوانتانامو" لمدة عشرين ساعة، يُعتبر انتهاكًا جسيمًا من قبل الولايات المتحدة لحقوق الإنسان أولا، ولاتفاقيات جنيف ثانيًا".

 ويقول د. سعيد: "إن الغريب في الأمر مطالبة وزارة الدفاع العديد من المؤسسات الصحفية وشبكات التليفزيون بعدم بثّ اي صور لأسرى القاعدة أثناء نقلهم لكوبا؛ بحجة أن بثّ تلك الصور يُعد انتهاكا لكرامة السجناء طبقا للقوانين الدولية التي تحكم التعامل معهم".

وطالب رئيس مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان من منظمات حقوق الإنسان سواء العربية والدولية بزيارة عناصر القاعدة من أجل التأكد من سلامتهم الجسدية، وحسن معاملتهم، ومن توافر شروط الإقامة الآمنة لهم وتوفير الغذاء والملبس المناسب، والتأكد من أنه لا يتم إجراء تجارب علمية عليهم؛ لأنه من المحتمل أن تقوم الولايات المتحدة بذلك، من أجل الحصول منهم على معلومات حول تنظيم القاعدة.

كما طالب د. سعيد المنظمات الدولية المعنية بالأمر مثل منظمة العفو الدولية (أمنستى) والصليب الأحمر ونظيراتها العربية مثل المنظمة العربية لحقوق الإنسان ومركز رعاية المسجونين بالقاهرة، بالتعرف على مكان احتجاز أسرى القاعدة، وظروف زيارتهم لا سيما أنهم احتُجزوا في سجن شديد الحراسة، وبمكان بعيد لا يمكن الوصول إليه.

وأكد د. سعيد أنه من المؤكد أن يكون غالبية أسرى القاعدة من الأفغان العرب؛ لذا ينبغي على الدول العربية ومنظماتها الحقوقية بمطالبة الولايات المتحدة من التأكد من أن هؤلاء الأسرى يلقون معاملة إنسانية، ويحاكمون وفقًا لأحكام القوانين الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.

وأكد د.سعيد أنه حتى يؤتي التحرك العربي الحقوقي ثماره في الضغط على الولايات المتحدة من أجل معاملة أسرى القاعدة معاملة حسنة وفقًا للقوانين الدولية ينبغي أن يتعاون الحقوقيون العرب مع نظرائهم الدوليين، كما نبه د .سعيد لدور وسائل الإعلام في الموضوع، ولا سيما الصحافة المقروءة والمسموعة، داعيًا تلك الوسائل للتحلي بالمصداقية والموضوعية حتى يتم إيصال الصوت العربي للولايات المتحدة.

ويقول د. سعيد: "إن مشكلة الإعلام العربي أنه يقوم باقتطاع المعلومات المهمة والأساسية من المنبع، وتكون النتيجة خطابًا إعلاميًّا عربيًّا مشوهًا، مقارنة بنظيره الغربي".

وأنهى د. سعيد حديثه بقوله: "إنه لا بد من محاكمة دولية عادلة لأسرى القاعدة، تراعى فيها القوانين الدولية لحقوق الإنسان".

محاكمة دولية ببلد محايد

واتفق مع د . سعيد "أبو العلا ماضي" مدير المركز الدولي للدراسات بالقاهرة؛ حيث طالب بضرورة تحرك المنظمات الحقوقية العربية والدولية للضغط على الولايات المتحدة من أجل أن توقف محاكمتها العسكرية اللاإنسانية بحق مقاتلي القاعدة، وأن تتم محاكمتهم محاكمة دولية عادلة في بلد محايد، وتحت إشراف الأمم المتحدة.

وأضاف أبو العلا أن قيام الولايات المتحدة بتطبيق المحاكمات العسكرية على عناصر القاعدة يُعتبر عودة للعصور الوسطى وتراجعًا عن الحقوق المدنية العادلة، وينطوي على عنصرية شديدة، كما تُظهر الوجه البشع للإدارة الأمريكية الموجودة حاليًا؛ لأن الأمر لا يقتصر فقط على محاكمة عناصر القاعدة محاكمة أمريكية بل عسكرية سرية أيضًا، وهذا هو الأفظع.

وأكد أبو العلا أن أسرى القاعدة المحتجزين بقاعدة "جوانتانامو" بكوبا يعتبرون أسرى حرب، وما قالته وزارة الدفاع الأمريكية بأنهم خارجون عن القانون، وسيُحاكمون محاكمة عسكرية وليسوا أسرى حرب، يُعتبر بلطجة وإجرامًا دوليين، وانتكاسة كاملة لحقوق الإنسان الدولية، وليس فقط لاتفاقيات جنيف لعام 1949، ولا بد أن تتراجع واشنطن عن ذلك.

ويقول أبو العلا: "إن أفغانستان وأمريكا ما يزالان في حالة حرب، وتم القبض على عناصر القاعدة وطالبان أثناء هذه الحرب؛ فكيف لا يكونون أسرى حرب، ولا تطبق عليهم اتفاقيات جنيف لعام 1949".

ومن جانبها، ذكرت صحفية "الشرق" القطرية في عددها الصادر الإثنين 14-1-2002 أن الولايات المتحدة لا تمتلك الحق من الناحية القانونية في محاكمة أسرى القاعدة، وإعلان واشنطن أن معاملة هؤلاء المعتقلين لن تتم وفق قوانين أسرى الحرب، واعتبارهم محاربين خارجين عن القانون هو تجاوز لاتفاقيات جنيف الموقعة عام 1949.

وقال أحد خبراء القانون القطريين -الذي رفض ذكر اسمه- للصحيفة: "إن محاكمة عناصر القاعدة وطالبان بتهم الإرهاب في ظل غياب إثبات قانوني واضح وجلي وهي مسألة ما زالت مثار جدل لدى العديد من الدوائر السياسية تحتاج إلى وقفة من جانب منظمة الأمم المتحدة، خاصة من جهة الوضع القانوني والإنساني لهؤلاء المعتقلين".

وأضاف الخبير القانوني القطري أنه "حتى هذه اللحظة لم تقرر واشنطن إن كانت المحاكمة عسكرية أم غير ذلك؟ ومتى؟ ولم تنشر لوائح قانونية بالتهم الموجهة إلى هؤلاء العناصر، الذين لم تتضح مسئولياتهم التنظيمية داخل شبكة القاعدة؛ بمعنى: هل هم من القيادات أم مجرد مقاتلين كان لهم دور فاعل في دحر
قوات الغزو السوفيتي في السابق عن أرض أفغانستان؟ ومن سيدافع عنهم؟ وكيف يمكن تأمين الحماية القانونية لهم؟ وهل ستسمح واشنطن لمحامين بالدفاع عنهم؟ ومن أي جنسيات؟".

وطالب الخبير القطري بضرورة قيام منظمة الصليب الأحمر الدولي وغيرها من المنظمات الإنسانية والقانونية بالاطلاع على أوضاع هؤلاء المعتقلين ومتابعة حالاتهم، وكذلك الدفع باتجاه محاكمتهم أمام محكمة دولية، وفي ظل القوانين الدولية ذات الاختصاص.

يُذكر أن اللوائح العسكرية الأمريكية التي أُعلنت عام 1997 حول معاملة الأسرى والمعتقلين تنص على معاملة كل الأسرى بطريقة إنسانية بموجب اتفاقيات جنيف إلى حين البتّ في وضعهم بواسطة محكمة فحص من ثلاثة ضباط، وتعريف السجين بحقوقه، والسماح له بحضور جلسة المحاكمة، وتوفير مترجم له إذا دعت الحاجة لذلك، واستدعاء الشهود، والبتّ في وضعه عن طريق أغلبية الأصوات على أساس ترجيح الدليل.

وتنص اللوائح العسكرية كذلك على أن أي معتقل تتوصل المحكمة إلى أنه لا يتمتع بوضع «أسير الحرب» من الممكن أن ينفذ فيه حكم الإعدام أو السجن أو إنزال عقوبة أخرى عليه دون إجراءات إضافية للبتّ في الأعمال التي ارتكبوها، أو العقوبة التي يجب أن تطبق عليهم. ولم يتضح بعد ما إذا كانت الجهات المعنية قد أقامت محاكم الفحص المشار إليها بغرض تحديد وضع المعتقلين الذين نُقلوا من أفغانستان، غير أن وزير الدفاع الأمريكي "دونالد رامسفيلد" قد صرح في مؤتمر صحفي له الجمعة 11-1-2002 أن المحتجزين من تنظيم القاعدة "خارجون عن القانون"، وليس لهم أية حقوق طبقا لاتفاقية جنيف، مشيرًا إلى أن بعض المحتجزين من حركة طالبان سيخضعون لقانون المحاكمات العسكرية، الذي أقره الرئيس الأمريكي جورج بوش بعد انفجارات 11 سبتمبر 2001.

وانتقدت المنظمات الدولية تصريح رامسفيلد، وقالت "جامي فيلنر" المسؤولة في مجموعة «هيومان رايتس ووتش» المعنية بحقوق الإنسان، السبت 12-1-2002: إن عبارة «مقاتلون غير شرعيين» تنص ضمنا على توفير أقل قدر من الحقوق والحماية المكفولة بنص المواثيق لأي تصنيف من تصنيفات السجناء. وأضافت فيلنر أن الولايات المتحدة وضعت كل هؤلاء المعتقلين تحت تصنيف «مقاتلون غير شرعيين»؛ لأن ذلك يناسب أجندتها السياسية.

كانت الدفعة الأولى لأسرى القاعدة قد غادرت أفغانستان للقاعدة البحرية بكوبا الجمعة 11-1-2002، وضمت عشرين شخصاً، أما الدفعة الثانية فغادرت الأحد 13-1-2002 وضمت ثلاثين شخصاً وسط إجراءات أمنية مشددة.

يُذكر أن كوبا أدانت انفجارات أمريكا الثلاثاء 11-9-2001، غير أنها عارضت ضرب أفغانستان، ووصفته بأنه مذبحة همجية للمدنيين لتعزيز أهداف إمبريالية. ويعارض الرئيس الكوبي فيدل كاسترو وحزبه الشيوعي الحاكم الوجود العسكري الأمريكي في القاعدة الأمريكية التي تبلغ مساحتها 116 كيلومترا في خليج جوانتانامو، واصفاً تلك القاعدة بأنها «خنجر مصوب إلى قلب كوبا».

يُشار إلى أن القاعدة الأمريكية قد أنشئت بعد أن نزلت قوات من مشاة البحرية الأمريكية في خليج جوانتانامو في عام 1898 خلال الحرب الأسبانية الأمريكية، وبموجب معاهدة أُبرمت بين كوبا وأمريكا عام 1934 لا يمكن إزالة هذه القاعدة إلا بموافقة مشتركة من قبل البلدين، أو إذا انسحبت القوات الأمريكية منها بمحض إرادتها.