فضائح .. أم نازية سادية .. أم بوادر انهيار أميركي ؟

لهيب عبدالخالق - البيان
التاريخ : 20/03/1425 

ما الذي يمكن توقعه بعد افتضاح السلوك الاميركي المشين في العراق وبعد نضوب الادارة الاميركية من كل مبررات اخلاقية للحرب اولا ولاستمرار الاحتلال ثانيا، خاصة وان هذه الادارة بدأت تتخبط بشكل اكثر في سياستها الخارجية!الواقع الذي يمتعض الكثيرون منه اليوم ويصمت كثيرون غيرهم ليس جديداً وليس مفاجأة، فالجميع يذكر تاريخ اميركا في فيتنام وفي حروبها لمئة عام مضت، وليس جديداً ايضا نازية او مازوكية الشخصية العسكرية الاميركية.
او الشخصية الادارية للسياسة الاميركية، لقد عانينا كثيرا طوال عقود من هذه القذارة، ووقعنا كثيرا تحت اضراس التعسف السياسي الاميركي بدءا من دعم الصهيونية العالمية وانتهاء باسقاط الدولة السيادية العربية.
السلوك الاميركي المنحرف تجده بشكل اكثر وضوحاً في شوارع الولايات المتحدة الاميركية التي تبيح كل المحظورات التي جاءت بها كتب السماء عبر دياناتها المتعددة، فهناك تجد القتل من اسهل الكينونات وتجد السقوط في حبائل الرذيلة مبرراً بقانون الحرية الشخصية، وتجد شيوع الفساد والمخدرات والنهب والسقوط الاخلاقي عادة يومية يصبح عليها الاميركيون ويمسون، انت لا تستطيع ان تمشي آمنا في شارع ما دون ان تكون متوترا من تهديد سكين حادة تستهدف دولارا منك.
وليس صعبا التكهن بان سارق الدولار وصاحب النصل القاتلة هو ضحية للنظام الاميركي الفاسد والذي بدأت آثار انهياره تنعكس على سلوك قادته وادارته داخليا وخارجياً.
الاميركيون قبل غيرهم حذروا من هذا الانهيار لنظام اراد له صانعوه ان يسود العالم، وكادت رؤوس الاموال وصناعة اقتصاد السوق المفتوحة والعولمة ان تغطي عليه، لكن المشكلة تكمن في ان الهياكل الاساسية لهذا النظام تتآكل من الداخل، لذلك فان القول بصمود الاقتصاد الاميركي ونظامه قول مأفون، وان الانهيار قادم، قد لا يكون الساسة والاستراتيجيون عاشوا زمن سبأ وعلموا بنبوءات انهيار سد مأرب الشهير، لكن ملامح المرحلة الاميركية تعود بنا الى ذلك التاريخ لتعجج في الافق عاصفة الخراب القادم.
زبغينو بريجنسكي، أخطر الاستراتيجيين الاميركيين ينعي ذلك، ويحذر من هذا الانهيار، مؤشرا ان «بعض اركان الادارة الاميركية مصابون بالعمى الاستراتيجي والايديولوجي على حد سواء»، وهو يرى ان على الدولة الاميركية ان تكون وفق ما قاله المسيح عليه السلام: «مدينة على جبل، مشعة وفي سلام مع العالم، لا قلعة على جبل معزولة وكئيبة وتستقبل جثث جنودها على وقع الموسيقى الجنائزية».
لابد ان بريجنسكي وجد ان خير خطاب يمكن ان يتلقاه المحافظون الجدد يجب ان يكون مستقى من الكتاب المقدس لانهم يستندون الى النصوص المقدسة في رؤيتهم السياسية، انهم يمزجون «بين صوغ السياسات وبين مفاهيم ميتافيزيقية مثيرة للجدل»، ولذا ارتأى الديمقراطي العلماني بريجنسكي ان خطاب الدين افضل حربة لاختراق حواجز الصمم والعمى الايديولوجي للمحافظين.
كثيرون غير بريجنسكي رأوا ان ادارة الرئيس الاميركي الحالي جورج بوش قد وقعت في أخطار كثيرة وليس مجرد اخطاء، فقد حاولت هذه الادارة التفرد وفق حمق حقيقي لشخصية القائد النزق، ذلك القائد الذي اراد التشبه بالامبراطورية الرومانية ولم يجد نموذجا غير نيرون ليقتدي به، لكنه نسي ان نيرون احرق روما واحترق معها.
سلوك ادارة المحافظين بلغ اوج اخطائه الخطرة عندما ادارت اميركا ظهرها لحلفائها الاوروبيين وحاولت الفصل بين اوروبا الموحدة ومن ذلك جاءت تصريحات رامسفيلد وزير الدفاع التي رسمت «اوروبا القديمة واوروبا الجديدة» ككيانين وليس ككيان واحد، ربما توقعوا ان عملية التفتيت التي قد تصلح في المجتمعات العربية، تصلح في اوروبا، لكن الجواب كان اسرع مما توقعوا، ارتداد اوروبا الى اصولها والى وحدتها كان صاعقة وقعت على رأس المحافظين، فاسبانيا ارتدت الى العش الاوروبي، وبريطانيا تحاول النهوض من اوحال بلير، وربما ستسمع عن سقوط اوروبي مدوٍ اخر لاخر حلفاء اميركا في حربها غير المقدسة على العراق.
ادارة المحافظين الجدد خلقت وهما كبيرا اسمه شعبية الجمهوريين مختفية وراء الدخان والاتربة التي علت ابراج مانهاتن في 11 سبتمبر، ولذلك نجد ان هناك الكثير من الاميركيين كانوا يحسنون الرؤية من خلال الاتربة والدخان، مايكل مور الصحفي الاميركي المعروف اول من تصدى لهذا الوهم فعنون كتابه بـ «الرجال البيض الاغبياء.. الاميركيون يكرهون جورج بوش» وموريعني بالرجال البيض جماعة المحافظين الجدد في ادارة بوش.
سلسلة طويلة من محاولات فضح حقيقة الهياكل التي تختبيء تحت الثياب الانيقة والزي العسكري الملوث بالدماء، واقنعة كثيرة بدأت تسقط تباعا، ولكن بعد فوات الاوان او «خراب البصرة» كما يقال في الامثال الشعبية.
بدءاً كشفت المقاومة العراقية مأزق اميركا في العراق وافغانستان، بل وحتى في عملية التسوية، ثم توالت كشوفات الحسابات: اسلحة غير موجودة، حرب غير مبررة، انتهاك للقوانين والاعراف والتشريعات الدولية، اكاذيب كثيرة بدأت تحوك انشوطة السقوط لهذه الادارة، ولابد من القول انها اكبر ورطة في تاريخ الولايات المتحدة الاميركية، واكبر عارٍ معاً.
في السابق رأينا رؤساء اميركيين يفتضحون فيسقطون فرادى، ورأينا مسئولين اميركيين يقعون تحت وطأة القانون، فرادى ايضا، لكننا لاول مرة نرى ونشهد ادارة بأكملها تتهاوى وتسقط تحت اقدام الحقيقة المرة، الحقيقة التي غاب عنها الشرف وغابت عنها كل المفاهيم الاخلاقية المعهودة.
اننا امام حادثة فريدة من نوعها في العالم، فلأول مرة نجد ان مجرمي الحرب يعاقبون برمي الورود عليهم بينما يشنق الضحايا بحبال الارهاب الواهية.
اي فعل يمكن ان نتوقعه ازاء رد الفعل الذي شهده العالم وهو يرى سادية ومازوكية وماسونية ونازية الاميركي تذبح شرف العراقيين وانسانيتهم، لا اعتقد انه سيكون اكثر من تأنيب خطي.. بينما يطالب القادة القابعون على جماجمنا بوقاحة شديدة بالذين مثلوا بجثث قاتليهم.. اي منطق سيسودنا اذا ما فاز هؤلاء مرة اخرى...؟