قصيدة الأسير
للأسير المفرج عنه : ابراهيم بن سليمان الربيش

قالوا أسير قد براه أساره  *  في سجنه وهمومه أسرارُ
ويرى السماء بها ملاذ همومه  *  ونجومها أحبابه السُمّارُ
"الجدي" صاحبه، "سهيل" أنيسه  *  في ليله، وحديثهم أسرارُ
في ليلة بالصمت طاب حديثها  *  سمرٌ عجيب بالسكوت يدارُ
قالوا أسير في السجون مغيبٌ  *  وسط الغياهب والأنيس جدارُ
يبقى وحيدا أو يعيش معذباً  *  يلقى المواجع مالديه جوارُ
السجن ليل بالمواجع سرمد  *  وخروجه إن أخرجوه نهارُ
نور السجون بها ظلام دامس  *  والكون فجر بالظلام منارُ
قالوا أسير بالهموم مقيد  *  وعليه من نسج الهموم شعارُ
وضجيعه عند الرقاد همومه  *  وعليه منها في الفراش دثارُ
قالوا أسير بالقيود مكبل  *  أو من قيود الظالمين فرارُ
القيد أثقله وآلم رجله  *  وبساقه من قيده آثارُ
وبخصره مثل الحزام سلاسل  *  ومن القيود بمعصميه سوارُ
السجن كهف مظلم بل موحش  *  فيه الأفاعي والعقارب جارُ
هاتيك تلدغه وتلك تخيفه  *  وعليه يضرب كالجيوش حصارُ
وتغره الأخرى بملمس جلدها  *  وبنابها الأهوال والأخطارُ
السجن غاب والسجين غزالة  *  والذئب فيها الصائد الغدارُ
من قد رأى ذئب يصون مودة  *  أم هل يصان لدى الذئاب جوارُ
الذئب لؤم والخيانة أمه  *  والغدر فيه وما عليه غبارُ
السجن ميدان وفيه غضنفر  *  وعليه من أثر القيود صغارُ
أسد يقاد إلى اللقاء بساحة  *  القط فيها السيد المغوارُ
القط نسر والهزبر حمامة  *  والسر قيد إنها الأقدارُ
السجن سوق والسعادة بائع  *  ومن التعاسة قد أتى السمسارُ
السعد أفلس والشقاوة تشترى  *  والبيع غش باللئام مدارُ
قالوا أسير يا لسوء مصيره  *  ومن التعاسة عنده أخبارُ
فأجبتهم كفوا الملامة ويحكم  *  فأنا الأسير وما بأسري عارُ
وأنا السجين وفي السجون سعادتي  *  ولدي من شرف السجون شعارُ
أنا إن أسرت أنا الهزبر شجاعة  *  بمكيدة قد صاده غدارُ
ولأن أسرت أنا المهند مغمد  *  ولدى اللقاء يسله الكرارُ
السجن أنسي بل أمين سريرتي  *  ولدي منه وعنده أسرارُ
نقضي الليالي والجدار مؤانس  *  ومع السلاسل قد يطيب حوارُ
صوت السلاسل نغمة محبوبة  *  لمسامعي وكأنه قيثارُ
السجن واد والسيول تصيبه  *  ولنحن في صحراءه أشجارُ
سيل من الرحمات يأتي صيبا  *  هل يمنع السيل العظيم حصارُ
كلا ولن تلقاه ألف قذيفة  *  أو ألف جيش للقاء جرارُ
السجن درب بالمخاطر حافل  *  ولدى الجنان سينتهي المشوارُ
ولدى الجنان رضى الإله مرادنا  *  وبها النبي مع الصحابة جارُ
السجن أنس بالكتاب وآيه  *  وظلامه بهدى الإله منارُ
يامن رأى بالسجن طيب حياته  *  والأنس فيه كذلك الأنوارُ
لبس السعادة فيه أجمل حلة  *  ومن الحدائق عنده أزهارُ
حدث فديتك عن نعائم ربنا  *  وإذا خلوت فما هي الأخبارُ
وليعلم الداني وقاصي قومنا  *  والأبعدون بحينا والجارُ
الصالحون من الخلائق كلها  *  والطالحون كذلك الأشرارُ
وعجائز في الليل طال بكائها  *  عند الدعاء وبعدهن صغارُ
ولتعلم الدنيا بكل عبيدها  *  أن الإله بحفظه قهارُ
ساق الرحائم للعباد عظيمة  *  وعدو ربي دربها المسيارُ
وعلى يديه تساق نعما ربنا  *  وترى العدو لردها يحتارُ
وتراه يجهد كي يسوق أذية  *  بمكيدة ويعينه مكارُ
لكنه يبقى أمامك عاجزا  *  قد ساق لكن حالت ألأقدارُ
واعجب لسجان عبوس وجهه  *  وفؤاده قدر عليه النارُ
وسجينه شرب السعادة عذبة  *  ومن السعادة عنده أسرارُ
يبدي السعادة في الشدائد والرخا  *  وكأنه شجر عليه ثمارُ
فاسعد بسجنك ما بقيت موحدا  *  تمسي وتصبح، ربك الجبارُ
لست الأسير فأنت مصدر عزة  *  للعزة العظمى بقلبك دارُ
ما الأسر إلا أن تهيم بغادة  *  حسناء تنثر حولها الأزهارُ
ما الأسر إلا أن تقيم بحانة  *  وجليسك العربيد والفجارُ
ما الأسر إلا أن تجالس مطربا  *  دنسا ليشجي سمعك المزمارُ
ما الأسر إلا أن تعيش معذبا  *  كي لا يفارق جيبك الدولارُ
ما الأسر إلا أن تلاحق شهوة  *  هانت عليك لأجلها الأسفارُ
ما الأسر إلا أن تطيق معيشة  *  بالذل عاث بأرضها الكفارُ