قصائد تروي مشاعر الأسير

( مجموعة القصائد والأبيات لأبي فراس الحمداني أثناء أسره لدى الروم)

 -------------------

القصيدة الأولى

أسرت وما صحبي بعزل لدى الوغى * ولا فرسي مهر ولا ربه غمر
ولكن إذا حم القضاء على امرئ * فليس له بر يقيه ولا بحر
وقال أصيحابي: الفرار أو الردى * فقلت: هما أمران أحلاهما المر
ولكنني أمضي لما لا يعيبني * وحسبك من أمرين خيرهما الأسر
يقولون لي: بعت السلامة بالردى * فقلت لهم: والله ما نالني خسر
هو الموت فاختر ما علا لك ذكره * ولم يمت الإنسان ما حيه الذكر
ولا خير في رد الردى بمذلة * كما رده يوما بسوأته عمرو
يمنون أن خلوا ثيابي وإنما * عليَّ ثياب من دمائهم حمر
وقائم سيفي فيهم دق نصله * وأعقاب رمحي منهم حطم الصدر
سيذكرني قومي إذا جد جد هم * وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
فإن عشت فالطعن الذي يعرفونه * وتلك القنا والبيض والضمر الشقر
وإن مت فالانسان لا بد ميت * وإن طالت الأيام وانفسح العمر
ولو سد غيري ما سددت اكتفوا به * وما كان يغلو التبر لو نفق الصفر
ونحن أناس لا توسط عندنا * لنا الصدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالي نفوسنا * ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر
أعز بني الدنيا وأعلا ذوي العلا * وأكرم من فوق التراب ولا فخر

 -------------------

وقال لما أسر :

ما للعبيد من الذي * يقضي به الله امتناع
ذدت الأسود عن الفرائس * ثم تفرسني الضباع

-------------------

وقال لما ورد أسيرا بخرشنة:

إن زرت خرشنة أسيرا * فلكم حللت بها مغيرا
ولقد رأيت السبي يجلب * نحونا حوا وحورا
ولقد رأيت النار تنتهب * المنازل والقصورا
من كان مثلي لم يبت * إلا أميرا أو أسيرا
ليست تحل سراتنا * إلا الصدور أو القبورا

-------------------

ولما ثقل الجراح وآيس من نفسه وهو أسير كتب إلى والدته يعزيها بنفسه:

مصابي جليل والعزاء جميل * وعلمي بأن الله سوف يديل
وإني لفي هذا الصباح لصالح * ولي كلما جن الظلام غليل
وما نال مني الأسر ما تريانه * ولكنني دامي الجراح عليل
جراح تحاماه الأساة مخافة * وسقمان باد منهما ودخيل
وأسر أقاسيه وليل نجومه * أرى كل شيئ؟؟ وغيرهن يزول
تطول بي الساعات وهي قصيرة * وفي كل دهر لا يسرك طول
تناساني الأصحاب إلا عصابة * ستلحق بالأخرى غدا وتحول
وإن الذي يبقي على العهد منهم * وإن كثرت دعواهم لقليل
اقلب طرفي لا أرى غير صاحب * يميل مع النعماء كيف تميل
وصرنا نرى أن المتارك محسن * وإن خليلا لا يضر وصول
وليس زماني وحده بي غادر * ولا صاحبي دون الرجال ملول
وما أثري يوم اللقاء مذمم * ولا موقفي عند الاسئار ذليل
تصفحت أقوال الرجال فلم يكن * إلى غير شاك للزمان وصول
أكل خليل هكذا غير منصف * وكل زمان بالكرام بخيل
نعم دعت الدنيا إلى الغدر دعوة * أجاب إليها عالم وجهول
وقبلي كان الغدر في الناس شيمة * وذم زمان واستلام خليل
وفارق عمرو بن الزبير شقيقه * وخلى أمير المؤمنين عقيل
فيا حسرتي من لي بخل موافق * يقول بشجوي مرة وأقول
وإن وراء الستر أُماً بكاؤها * علي وإن طال الزمان طويل
فيا أمنا لا تعدمي الصبر إنه * إلى الخير والنجح القريب رسول
ويا أمنا لا تحبطي الأجر إنه * على قدر الصبر الجميل جزيل
ويا أمنا صبرا فكل ملمة * تجلي على علاتها وتزول؟؟
أمالك في ذات النطاقين أسوة * بمكة والحرب العوان تجول
أراد ابنها أخذ الأمان فلم يجب * وتعلم علماً إنه لقتيل
تأسي كفاك الله ما تحذرينه * فقد غال هذا الناس قبلك غول
وكوني كما كانت بأحدٍ صفية * ولم يشف منها بالبكاء غليل
فمارد يوما حمزة الخير حزنها * إذا ما علتها زفرة وعويل
لقيت نجوم الأفق وهي صوارم * وخضت ظلام الليل وهو خيول
ولم أرع للنفس الكريمة خلة * عشية لم يعطف علي خليل
ولكن لقيت الموت حتى تركته * وفيه وفي حد الحسام فلول
ومن لم يق الرحمن فهو ممزق * ومن لم يعز الله فهو ذليل
ومن لم يرده الله في الأمر كله * فليس لمخلوق إليه سبيل
وإن هو لم يدللك في كل مسلك * ظللت ولو أن السماك دليل
إذا ما وقاك الله أمرا تخافه * فما لك مما تتقيه مقيل
وإن هو لم ينصرك لم تلق ناصرا * وإن جل أنصار وعز قبيل
وما دام سيف الدولة الملك باقيا * فظلك فياح الجناب ظليل

-------------------

قال ابن خالويه: وقال يصف أيامه ومنازله بمنبج وكان ولايته وأقطاعه وداره بها، ويعرض بقوم بلغه شماتتهم فيه وهو في أسر الروم:

قف في رسوم المستجاب * وناد أكناف المصلا
فالجوسق الميمون * فالسقياء فالنهر المعلا
أوطنتها زمن الصبا * وجعلت منبج لي محلا
حرم الوقوف بها علي * وكان قبل اليوم حلا
حيث التفت وجدت ماء * سائحا وسكنت ظلا
تزداد واد غير قاص * منزلا رحبا مطلا
وتحل بالجسر الجنان * وتسكن الحصن المعلى
تجلو عرائسه لنا * بالبشر جنب العيش سهلا
والماء يفصل بين زهر * الروض في الشطين فصلا
كبساط وشي جردت * أيدي القيون عليه نصلا
من كان سر بما عراني * فليمت ضرا وهزلا
لم أخل فيما نابني * من أن أعز وأن أحلا
مثلي إذا لقي الأسار * فلن يضام ولن يذلا
رعت القلوب مهابة * وملأتها نبلا وفضلا
ما غص مني حادث * والقرم قرم حيث حلا
أنى حللت فإنما * يدعوني السيف المحلا
فلئن خلصت فإنني * غيظ العدى طفلا وكهلا
ما كنت إلا السيف زاد * على صروف الدهر صقلا
ولئن قتلت فإنما * موت الكرام الصيد قتلا
لا يشمتن بموتنا * إلا فتى يفنى ويبلى
يغتر بالدنيا الجهول * وليس في الدنيا مملا

-------------------

وقال أيضــاً

أسيف الهدى وقريع العرب * إلام الجفاء وفيم الغضب؟
وما بال كتبك قد أصبحت * تنكبني مع هذي النكب؟
وأنت الكريم وأنت الحليم * وأنت العطوف وأنت الحدب
وما زلت تسبقني بالجميل * وتنزلني بالمكان الخصب
وإنك للجبل المشمخر * إلي بل لقومك بل للعرب
وتدفع عن حوزتي الخطوب * وتكشف عن ناظري الكرب
علا يستفاد وعاف يعاد * وعز يشاد ونعمى ترب
وما غض مني هذا الأسار * ولكن خلصت خلوص الذهب
ففيم يعرضني بالخمول * مولى به نلت أعلى الرتب
وكان عتيدا لدي الجواب * ولكن لهيبته لم أجب
أتنكر أني شكوت الزمان * وأني عتبتك فيمن عتب؟!
وإلا رجعت فاعتبتني * وصيرت لي ولقومي الغلب
فلا تنسبن إلي الخمول * أقمت عليك فلم اغترب
وأصبحت منك فإن كان فضل * وإن كان نقص فأنت السبب
وإن خراسان إن أنكرت * علاي فقد عرفتها حلب
ومن أين ينكرني الأبعدون * أمن نقص جد أمن نقص أب؟!؟!
ألست وإياك من أسرة * وبيني وبينك عرق النسب؟!
ودار تناسب فيها الكرام * وتربية ومحل أشب
ونفس تكبر إلا عليك * وترغب إلاك عمن رغب
فلا تعدلن فداك ابن عمك * لا بل غلامك عما يجب
وأنصف فتاك فإنصافه * من الفضل والشرف المكتسب
أكنت الحبيب وكنت القريب * ليالي أدعوك من عن كثب؟!
فلما بعدت بدت جفوة * ولاح من الأمر ما لا أحب
فلو لم أكن بك ذا خبرة * لقلت صديقك من لم يغب

-------------------

وبلغ إليه نعي أمه وهو في الحبس فقال يرثيها:

أيا أم الأسير بمن أنادي؟ * وقدمت الأيادي والشعور
إذا ابنك سار في بر وبحر * فمن يدعو له أو يستجير؟!؟!
حرام أن يبيت قرير عين * ولوم أن يلم به السرور
وقد ذقت المنايا والرزايا * ولا ولد لديك ولا عشير
وغاب حبيب قلبك عن مكان * ملائكة السماء به حضور
ليبكك كل يوم صمت فيه * مصابرة وقد حمي الهجير
ليبكك كل ليل قمت فيه * إلى أن يبتدي الفجر المنير
ليبكك كل مضطهد مخوف * أجرتيه وقد قل المجير
ليبكك كل مسكين فقير * أعنتيه وما في العظم رير؟؟ (1)
أيا أماه كم هول طويل * مضى بك لم يكن منه نصير
أيا أماه كم سر مصون * بقلبك مات ليس له ظهور
إلى من أشتكي وبمن أناجي * إذا ضاقت بما فيها الصدور؟!؟!
بأي دعاء داعية أوقي * بأي ضياء وجه أستنير؟!؟!
يمن يستدفع القدر المرجى * بمن يستفتح الأمر العسير؟!؟!
تسلي عنك إنا عن قليل * إلى ما صرت في الأخرى نصير

-------------------

وقال يخاطب ابنته :

أبنيتي لا تحزني * كل الأنام إلى ذهاب
أبنيتي صبرا جميلا * للجليل من المصاب
نوحي علي بحسرة * من خلف سترك والحجاب
قولي إذا ناديتني * فعييت عن رد الجواب
زين الشباب أبو فراس * ما تمتع بالشباب


________________________
(1) مخ رار ورير. ذائب فاسد من الهزال.