المنسيون .. "أسرى جوانتانامو"
في غمرة انشغال العالم بالعدوان الأميركي-البريطاني على العراق لم يعد أحد يذكر أن الأميركيين قد نقلوا أعداداً، لا نعرفها على وجه الدقة، من الأفغان والباكستانيين والعرب من أرض أفغانستان المحتلة إلى قاعدة أميركية قائمة في أرض محتلة -أيضاً- هي قاعدة جوانتانامو· وأن هؤلاء قد وضعوا في ظروف لا تصلح للحياة الإنسانية· وأن بعضهم أضرب عن الطعام احتجاجاً على سوء المعاملة، في الصيف الماضي، فاستغاث الأميركيون بشيخ أزهري أميركي الجنسية -من أصل عربي يعود إلى بلد ثالث محتل هو الآخر!- واستصدروا منه فتوى بحرمة الإضراب عن الطعام، باعتباره مؤدياً إلى قتل النفس التي حرّم الله قتلها إلا بالحق(!) وترجمت هذه الفتوى إلى اللغة الإنجليزية، أو لعلها كتبت بها أصلاً، ورضي عن محتواها المسؤولون المعنيون في الإدارة الأميركية، فوزعت بالعربية والبشتونية والأوردو على المعتقلين، فأحدثت أثرها، وتنازل المعتقلون المنفيون في جوانتانامو، عن السلاح الوحيد الذي في أيديهم، وكان يمكن أن يؤثر تأثيراً إيجابياً في تحسين أوضاعهم، وكفوا عن الإضراب عن الطعام، وانقشعت بتلك الفتوى سحابة صيف كانت قد ظللت علاقة المفتي بالذين استفتوه من أهل القرار الأميركيين·
منذ عرفت أنباء اعتقال هؤلاء المختطفين من أرض أفغانستان ندب المحامي القطري النابه الدكتور نجيب النعيمي نفسه للدفاع عن حقوقهم الإنسانية، والمطالبة باطلاق سراحهم، واتخاذ ما أمكنه اتخاذه، مع الذين شاركوه لجنة للدفاع عنهم، من اجراءات أمام المحاكم الأميركية··· لكن دون جدوى!
طالب المدافعون عن هؤلاء المختطفين بمعاملتهم المعاملة المقررة دولياً لأسرى الحرب، وتطبيق اتفاقيات جنيف عليهم· فقال الأميركيون إنهم ليسوا أسرى حرب بل هم أعضاء عصابات مسلحة حاربت الولايات المتحدة الأميركية ( وكأنهم هم الذين خرجوا من ديارهم عشرات آلاف الكيلومترات وذهبوا إلى أميركا ليقاتلوها )·
وطالب المدافعون عن هؤلاء المختطفين بمحاكمتهم محاكمة عادلة طبقاً للقوانين الجنائية والقواعد الدستورية الأميركية، فقال الأميركيون إن هذه القوانين والقواعد قد تطبق على المجرمين الذين ارتكبوا جرائم -مهما تكن بشاعتها- داخل الولايات المتحدة الأميركية، لكنها لا تطبق على من ارتكب جريمته -ولو كانت الدفاع عن وطنه- خارجها·
وطالب المدافعون عن هؤلاء المختطفين بتطبيق معايير المعاملة الإنسانية المقررة بمقتضى المواثيق الدولية عليهم، فقال الأميركيون إنهم ليسوا داخل سجون أميركية حتى تطبق تلك المعايير في حقهم، وإنما هم في أرض كوبية تحت إدارة أميركية مؤقتة فلا شأن للإدارة الأميركية بما يصيبهم فيها·
وطالب المدافعون عن هؤلاء المختطفين بمحاكمتهم محاكمة عسكرية ولو وفق القانون العسكري الأميركي، فكان جواب الأميركيين إن هؤلاء ليسوا عسكريين أصلاً، ولا لهم رتب عسكرية ولا هم أعضاء في جيش نظامي، فكيف يعاملون المعاملة الخاصة بالعسكريين!!
وهكذا ذهبت جهود هؤلاء الشرفاء الذين تطوعوا للدفاع عن أولئك الأسرى، الذين اختطفوا من حيث كانوا يعيشون آمنين، أدراج الرياح، إلى أن كان شهر مارس الماضي·
في المدة من 12 إلى 30 مارس 2003 قام النائب الجزائري الأستاذ حسن عريبي (رئيس اللجنة البرلمانية للدفاع عن المعتقلين في جوانتانامو، وعضو لجنة الأمن الوطني في البرلمان الجزائري بزيارة واشنطن للبحث في شأن هؤلاء المختطفين· سبقت الزيارة جهود مضنية حتى استطاع عريبي أن يصل سالماً إلى واشنطن، وأن يقابل مسؤولين كباراً في وزارة الخارجية وفي وزارة الدفاع وفي الكونجرس الأميركي·
ومنذ أيام قلائل لقيت حسن عريبي، في منزل أستاذنا الجليل الدكتور توفيق الشاوي شفاه الله، واستمعت منه إلى القصة الحقيقية لأهلنا وأبنائنا المنسيين في القاعدة الأميركية المغتصبة من كوبا·
عرفتُ لأول مرة العدد الحقيقي لمن نقلوا من أفغانستان إلى جوانتانامو، كنا نظنهم نحواً من ثلاثة آلاف، فعلمت أنهم كلهم ستمائة وواحد وسبعين رجلاً· وأن الغالبية العظمى منهم من أبناء المملكة العربية السعودية، يليهم المصريون، ثم العرب من شتى الجنسيات، وأن أقلهم عدداً هم الأفغان والباكستانيون! وأخبرني حسن عريبي أن أحداً لم يحقق مع هؤلاء المعتقلين حتى الآن، وأن بعض الأميركيين الرسميين الذين قابلهم لم يستطع أن يجد كلمة يصف بها المعاملة التي يلقاها هؤلاء المختطفون· وأن مسؤولاً آخر حدثه عن حقائق حياتهم التي وصفها بأنها لا ترقى إلى حياة الحيوانات في المدن الأميركية، ولكنه طلب منه عدم ذكر اسمه· قال له إنهم مقيدون بالسلاسل الثقيلة في أيديهم وأرجلهم طوال النهار والليل· ينامون مقيدين ويستيقظون مقيدين، ويتحركون لقضاء حاجتهم البشرية، وللتريض وهم كذلك· وإن الطعام الذي يقدم لهم يكفي بالكاد لحفظ حياتهم وإنهم لولا شبابهم ورصيدهم الصحي لكان معظمهم قد هلك من الحياة في هذا السجن الكئيب·
ولأمر ما أفرج الأميركيون عن ثمانية عشر معتقلاً بمناسبة زيارة حسن عريبي، منهم ثمانية جزائريين وعشرة من الأفغان· وسمع منهم حسن عريبي ما يشيب له الوليد من الهول الذي ذاقوه منذ اختطافهم إلى أن أفرج عنهم· ولكنه سمع منهم أيضاً حديثاً عجباً·
قالوا له: إن معنوياتهم -ومعنويات الأسرى الباقين- لم تكن أبداً سيئة، بل كانوا يشعرون برحمة الله ترعاهم دائماً· قالوا له شعرنا من اليوم الأول أننا نؤدي مهمة دينية رائعة، فنحن أول من رفع الأذان في أرض جوانتانامو منذ خلقها الله إلى يوم وصولنا إليها· ونحن أول من طهّر جبهته بالسجود على ترابها لله تعالى· ونحن أول من أقام فيها جمعة وصلى جماعة· ونحن أول من صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم·
ومع أن التعبد يجلب الراحة النفسية أينما كان الإنسان العابد الصــادق، فإن الله -تبارك اسمه- أهدى إلينا أعظم ما يجلب الطمأنينة والسعادة والرضا بالقضاء كيفما كان، وذلك عندما بدأ سجانونا من الضباط والجنود الأميركيين يسألوننا لماذا نأتي بهذه الحركات، ونجهر بالنداء بتلك الكلمات، وماذا نقول إذا ركعنا وإذا رفعنا وإذا سجدنا وإذا جلسنا··· وبدأ بعضهم ينتحي بمن يأنس إليه من المعتقلين جانباً ويسأله كيف يصبح مسلماً؟ ولا يصدقون، أو لا يكادون يصدقون حتى يُخبّرون ببساطة الأمر وسهولته! ودخل واحد فواحد فأعداد، لا تزال تتوالى، في دين الله على أيدي المسجونين، وأصبح المسجون إمام سجانه ومعلمه ومرشده ومفتيه· ولا يزال هذا يحدث مع كل دفعة جديدة من فرق الحراسة التي تتغير بين فترة وأخرى!
قال المفرج عنهم لحسن عريبي: أرأيت رحمة وفضلاً أعظم من هذه الرحمة وذاك الفضل؟ سبقته أنا بالجواب: لا ،· وقلت كما قال الرجل حديث الإسلام للرسول صلى الله عليه وسلم: ما أعظم هذا الرب وأرحمه· فهل نذكر الآن (671) عربياً ومسلماً منسيين في جوانتانامو، أم نتركهم حتى يُسلِم الحراس جميعاً فيطلقوا سراحهم؟
جريدة الإتحاد الإماراتية
اختيار /أخت الأسرى (منتدى الأسرى)