من خلف "اقفاص حيوانات" غوانتانامو وتحت عتمتها:
الأميركيون "يبولون" على دستور ديمقراطياتهم

‏14 كانون ثاني 2002
بقلم: مازن الزيادي*

تناقلت وسائل الاعلام العالمية وخصوصا المرئية منها خبر نقل الامريكين لاعداد من الاسرى الافغان والعرب من معسكر الاعتقال الكبير الذي بناه الامريكيون في مدينة قندهار الافغانية الى قاعدة عسكرية امريكية على البحر الكاريبي في كوبا

وبغياب المعني المباشر بشؤون هؤلاء الأسرى فقد تعمدت المصادر الأمريكية - وبشكل واضح - تحجيم الحدث وعلى الأقل من حيث عدد المرحلين وهوياتهم ربما بقصد التخفيف من ردود فعل الجهات الدولية المعني "المفترض" والأساس بحقوق الإنسان ووجوب مراعاة اتفاقيات جنيف الخاصة بحماية اسرى الحرب واحترامها وعلى هذا فقد عمدت وزارة الدفاع الأمريكية وكبار العسكريين الأمريكيين الى إعطاء انطباع عام عبر تصريحاتهم اليومية المعتادة بان العملية "صغيرة" من دون تسميتها بهذا الاسم الا انهم اكدوا ان مجموعة من 20 من اسرى "القاعدة" وطالبان كانوا قد نقلوا الى قاعدة "غوانتانامو" الأمريكية في كوبا على البحر الكاريبي

في اليوم التالي ظهر دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الامريكي وكشف ان طائرات امريكية اخرى تقوم بنقل اعداد من هؤلاء "الناس" الى القاعدة الامريكية المذكورة التي يفترض ان تكون قد وصلت اليها فعلا طائرتين اخريتين محملات بما اسماه "مقاتلون خارجون على القانون" وبعد أن ذكر الصحفيين متفاخرا بـ "لطف بلاده وتسامحها..."

"إننا في دولة لطيفة" قال رامسفيلد و اكد ان إدارته ستتعامل معهم كـ "معتقلين"، "ستتم معاملتهم ليسوا كأسرى حرب لأنهم ليس كذلك بل كمقاتلين غير شرعيين.. نحن نسميهم معتقلين" !!!.

وأضاف على حسب رأيي ان المقاتلين غير الشرعيين ليس لهم حقوق ولا يمكن ان يعاملوا بحسب اتفاقية جنيف أو الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية أسرى الحرب ؟!.

على الصعيد نفسه قالت مصادر صحفية غربية ان الضباط الأمريكيين المسؤولين على القاعدة في كوبا لم يسمحوا للصحفيين والمصورين الاقتراب من الأسري... وهو تماما ما فعلته دوائر وزارة الدفاع الأمريكية في واشنطن التي رفضت الكشف عن هويات واسماء الأسري وما
اذا كان بينهم من العرب أم انهم من الأفغان على الحصر والتحديد

وفي القاعدة الأمريكية وبعد ان وصلت الطائرة الأولى ...
قال ناطق باسم البحرية الأمريكية انه من المتوقع وصول "هاندردز" المئات من الأسرى من أفغانستان بشكل منتظم، وأضاف ان أول الواصلين هم "الأسوأ" بين هؤلاء المنتظر وصولهم. واضاف انهم هنا في القاعدة ينتظرون وصول آخرين بشكل منتظم

وما بين التحجيم 20 اسيرا و"الهاندردز" كان لعدد كبير من وسائل الإعلام الغربي وخصوصا الفضائيات دورها الاكبر في نقل ما حرص الامريكيون على ابعاده اوالتخفيف من حدته, فقد نقلت هذه الفضائيات صورا للاسرى وهم في وضع كمن يمثل فيه..., صور لقوي لا يقهر يمثل بضحيته بعد الاجهاز عليها الأمر الذي خلق ولأول مرة في الشارع الغربي ردود فعل متفاوتة ما بين رافض ومتهكم وبين غيور ومتطوع للدفاع عن النمط الغربي للمدنية التي يربأ هؤلاء الغيارى عليها من الوقوع مما أسماه بعضهم بـ صور "الارهاب" ذاته الذي سبق وان أدناه من الإرهابيين أنفسهم فما بالك ان نتورط نحن بمثل أعمالهم ؟!

"انه عمل تشمئز منها النفوس ويمجه الذوق والعرف والمدنية التي يدعيها الأمريكيون"

لقد وصل الأسرى على متن طائرات نقل عسكرية وفي داخل أقفاص حديدية مشبكة كالتي نراها في "حدائق الحيوانات" وكانوا مغصوبي الاعين ويرتدون بدلات "برتقالية" خاصة ينبعث منها الضوء حتى في الظلام وكانت ايديهم وارجلهم مقيدة باصفاد من حديد ومربوطة الى بعضها بما يشبه "الربق" عند رعاة الغنم والبقر!

لقد كان المنظر خصوصا وانهم باتوا ليلتهم الأولى في العراء وداخل اقفاصهم كل "ثمانية" في قفص من دون سقف يستظلهم من بعد رحلة تظليل بلغت الالاف من الكيلومترات في محاولة لارباكهم وايهامهم بالوجهه التي يعتزم الامركيون نقلهم اليها, كان منظرا يثير في النفس البشرية ردود فعل تحتقر الفاعلين حتى وان كانوا من القوة و ممن لاخيار لك في مواجهتهم

قال أحد الصحفيين الإنكليز في عموده الأسبوعي ربما يكون الأمريكيون بحاجة الى مثل هذا العمل اللاانساني ليوظفوه مستقبلا داخل مجتمعهم للاستمرار في حربهم ضد الارهاب وربما لا تجد أحدا من الأمريكيين يكترث او يهتم بما كان وما حدث لهذه "الاقفاص الادمية" ولكنها ودون شك تذكرنا بأفلام الحروب القبلية والثأر الشخصي وهي اقرب اليها من أي وصف مدني او اجتماعي معاصر

وقال آخر في مقابلة صحفية إن ما رايته على شاشات التلفزة لايمكن نسبته وتحت أي مبرر لمدنية معاصرة اومجتمع ديمقراطي يدعي الدفاع عن الحريات العامة ويتجدث باسمها و الدفاع عنها واضاف لقد ادان العالم كله عمليات 11 ايلول واعمال بن لادن ووصفها بالهمجية والا رهاب ولا اعتقد ان ما رايته اليوم اقل بشاعة مما كان في عمليات نيويورك خصوصا لجهة العقل الذي يحمل الآخرين وزر غيرهم ويؤاخذهم بذنب لم يرتكبوه وهو تماما ما تعرضوا اليه ركاب طائرات "القنابل البشرية" الأربعة التي نفذها الإرهابيون.

مهم أن نسمع من العقل الثقافي الغربي من مثل هذا ولكن الأهم ان نتساءل عن موقف أصحاب الشان والاختصاص من الأمريكيين أنفسهم فالولايات المتحدة الأمريكية ذات أل 50 دولة اتحادية او ولاية والتي لها من الحقوقيين وكليات الحقوق ورجال القانون والفقه والمؤسسات التشريعية والمشترعين والجمعيات والمنظمات ووسائل اعلام وصحفيين وكتاب يهتمون وكل بوزنه بحقوق الانسان بما يتناسب مع حجم بلادهم وتنوعها والخمسين دولة وحاجتها؟

ترى ماالذي يمكن ان يقوله هؤلاء مجتمعين وخصوصا أساتذة القانون لطلابهم بعد مشبكات "الأقفاص البشرية" التي نقلتها حكومتهم الى الجزيرة الكوبية المعزولة؟ وما الذي يمكن ان يكون من جمعيات ومنظمات حقوق الانسان الامريكية ثم ما الذي يمكن ان يصدر عن المنظمات الدولية ذات الشان والصلة المباشرة باتفاقيات جنيف ودوائرها وخصوصا الصحف وكتاب الأعمدة اليومية؟

ان تصريحات رامسفيلد وكبار ضباط وزارة الدفاع الامريكية والتي حاولت مجتمعة نفي الاستحقاق القانوني للأسرى الأفغان من اتفاقية جنيف والدفع بعدم الاختصاص لها انما هي محاولة بائسة يدحضها المسؤول الامريكي نفسه وهذه الادارة ذاتها ومن وقت ليس بالبعيد ...

فهذا الامريكي الذي أصر على توصيف أعماله العسكرية ضد أفغانستان ومنذ ثلاثة اشهر على انها حرب على الإرهاب وتستهدف القضاء عليه ... واستطرادا فانه خاض كل دعاواه وسجالا ته من اجل لملمة التحالف الدولي في حربه هذه على أساس اشتهر به الرئيس الامريكي جورج .و. بوش نفسه اكثر من غيره من مجموع طاقم ادارته بقوله انذاك "اننا سنخوض هذه الحرب نيابة عن الجميع وباسم الحريةالتي تعرضت للعدوان, سنخوض هذه الحرب وسنربحها!

فمن لا يريد ان يكون معنا فانه يختار الطرف الآخر "من لم يكن معنا فهو مع الإرهاب" !

هذا ليس منذ عقود من الدهر وانما منذ ايام ولا اعتقد انه قد مضى عليه من الدهر ما يسمح للذاكرة الحية بإدعاء النسيان او الالتفاف على السياق التاريخي للإحداث وتوصيفها على غير وقائعها وبعيدا عما أراد لها "أبطالها" ان تكون وبالعودة الى تصريحات بوش لا يستطيع حتى اولئك الذين لا يريدون ان يروا ان ينكروا ما كان ومتى وكيف كانت الطريق الى الحرب؟
بهذا السياق ووفق هذا المنطق كان التحضير للحرب, وأعلنت الحرب وذهب من ذهب ولم يتخلف احد بخياراته وانما ومن كل حسب... مرة اتقاء لشر واخرى طمعا في غنائم ما بعد الحرب ووعود كان الامريكيون فيها من الكرم ما يغري بحيث جمعت مالا يمكن جمعه بسلة واحدة اختلطت الالوان فيها حد الععجز عن التوصيف والقدرة على الفرز!؟
ولو لم يكن لها وورائها من مثل قوة الامريكي ساعيا ومنافحا من اجل بلوغ أهدافه بالحرب التي يريدها لما كان لها ان تقوم وبمعنى آخر لم يكن "التحالف" مخلوقا وهميا ولم يذهب الأمريكيون لنزهة هناك أرادوا لها اعتباطا ان تكون في "طورا بورا" ...
ولا هم اصلا سمعوا عن غيرهم ممن لم يكن متحمسا للحرب وارسلوا افرادا من شرطتهم الجنائية لتلقي القبض على "الجناة" الفاعليين والمتورطين بأحداث نيويورك وحرائقها لتقدمهم للعدالة والقضاء لينالوا عقابهم العادل امام القضاء الامريكي كما يحرص الرئيس بوش على ترداده وفي كل مؤتمراته ولقاءاته مع الصحفيين,...
لم تكن هي الأمور من هذا الذي قاله رامسفيلد ولا هي كانت كما يهوى ذاك ... وانما هي تماما حرب بتوصيفهم واعدادهم وتجهيزهم وخيارهم الذي هددوا به ومن خلاله كل من يخالفه بالويل والثبور ان هو تأخر عن نجدتهم او التحالف معهم لقتال عدوهم المفترض
"من لم يستطع طرد الإرهاب من بلاده نحن على استعداد لان نكفل له ونيابة عنه اقتلاع الإرهاب من جذوره" من كلمة للرئيس بوش أثناء استقباله لرئيسة الفليبين
"من لم يكن معنا فهو مع الإرهاب"
مسخرة ان يسعى الامريكي لحمل العالم على ما يراه هو صحيحا اليوم, ثم يعود ليرى عكسه وفي اليوم التالي هو الصحيح وليته يعفيهم بما كان منهم بداية يوم كان هو صاحب التوصيف الاول والسباق اليه بانها حرب على "القاعدة وطالبان" وبالاسم رافضا التوصيفات الأخرى ...

اليوم وقد انتهى الأمريكيون من حربهم في أفغانستان بهزيمة خصمهم في الحرب "القاعدة وطالبان" وصارت لهم مصالح أخرى ومنها سوق هذه "الأقفاص البشرية" الى محاكمهم العسكرية دون رقيب او معترض حتى وان كان هذا الرقيب منهم ودستورهم وقوانينهم.... وهذا لا يتم أصلا إلا إذا نزعوا عنهم صفة "اسير الحرب" هكذا يشاء الامريكي ويريد, هي حرب عندما يريد هو, وهي "عملية بوليسية" و"معتقلين" عاديين عندما يشاء هو ايضا ويريد ما همّ ما يكون عليه الاخرون
واذا كنا وعلى شكل من الأشكال نستطيع ان نتفهم دوافع هؤلاء المصفقين في "الجولتين" على الوجه ونقيضه عند الوجه الاخر, مع الحرب والاعداد لها والتسويق للوصول بها و اليها, ومع التوصيف الذي اطلقه رامسفيلد وزبر الدفاع الامريكي الذي وصف "الاسرى" الافغانين بانهم مقاتلين غير شرعيين ولا ينتمون لدولة شرعية وبالتالي فانهم لا يحظون بمعاملة أسرى حرب مستغفلا عقل الجميع ومستهترا بذاكرتهم التي لم يمر من الوقت ما يكفي لنسيان دور واشنطن بالأساس والأصل بداية بقيام حكومة طالبان والاعتراف بها!

واذا كان من اليسر والسهولة فهم ذاك فما نحن عاجزون عن فهمه حقا هو موقف هذه النخب المدنية التي عددتها قبل لحظات من أساتذة القانون والعاملين فيه من قضاة ومحامين فهل يقبل هؤلاء ما يعد طعنا قاتلا بكل المبادئ العامة للحقوق المدنية للإنسان التي قالوا بها والتي تملأ واجهات المكتبات العامة ليس في أمريكا وحدها وانما يكاد المرء ان يقول ودونما مبالغة لا تخلوا منها مكتبة حقوقية في العالم فضلا عن المكتبات الثقافية العامة

قبل ايام كانت بعض الصحف الغربية قد تحدثت عن نقل اربعماية اسير افغاني الى جزر معزولة لا يربطها بالعالم الخارجي أي طرق مواصلات عادية ومعروفة وتستعمل عادة من البحرية الامريكية فقط وفي اعالي الاطلسي وقالت هذه الصحف ان الامريكيين ينقلون هؤلاء سرا بعيدا عن الاعلام وهم مطمئنون ان احدا من وسائل الاعلام المختلفة حتى وان عرف ووصلت اليه بعض التسريبات فانه لا يستطيع الو صول الى هناك من دون طلب المساعدة من الاسطول الامريكي لانعدام سبل المواصلات الا لرجال البحرية الامريكية وبالبواخر العملاقة والقطع البحرية الكبيرة

وفيما انا احرر هذا الموضوع قال احد المحللين الامريكيين على شاشة تلفزيون الـ"بي بي سي" اللندنية في حوار موسع جمع عدد غير قليل من رجال الصحافة العالمية وردا على السؤال المطروح حول ما يمكن ان يكون عليه موقف المجتمع الامريكي من الاسرى الافغان وكيف يستقبل الامركيون الخبرخصوصا بعد ان عرضت وسائل الاعلام المختلفة صور "الاقفاص البشرية، قال "المحلل الامريكي " ومن اجل ان اكون امينا معكم لا احد يهتم "هو كيرز"

واذا كان هذا الرجل امينا مثل ما حرص وقدم لاجابته فان وزير الدفاع الامريكي رامسفيلد وكبار ضباط وزارته يكونوا قد سحبوا كل الامريكين ورائهم الى خلف "اقفاصهم البشرية" وفي العتم الكوبي ما بين ساحل مليء بأسماك القرش وشاطئ مزروع بالالغام وبحذر العسكري المحترف ليبولوا على ديمقراطية بلادهم ودستور مجتمعها المدني المتحضر

هكذا ومن دون "رتوش" او تجميل ظهر الامريكي على العالم كله وعلى الشاشة الصغيرة عبر الفضائيات والمحطات المحلية عاريا ومن دون غطاء, ربما سيجتهد الاعلام الامريكي ليجد مسوغا لما كان وما سيكون من عمل شائن واحيانا واقول ربما يبدع في الحديث المستمر عن المجتمع المدني والديمقراطي وحقوق الانسان
انتهت الحرب وصار عدو الأمس الذي اعلنت واشنطن الحرب علية باسم "الحرية" الى مجرد "معتقل عادي" وربما اقل من مقترفي جرائم الجنح العادية كاللصوص وغيرهم من اصحاب السوابق المخلة بالشرف
فهل هذا صحيح او قريب منه وينسب اليه؟
اقولها نعم ولكن بشرط ...
ان تتلمذوا -وليس وحدكم- وانما جميعنا على يد الفقيه رامسفيلد وتحت كرسيه الدراسي في "طورابورا" وقنابل "السبع طن" !
وما اذا كان يعقد لها الاختصاص في الفصل في "تنازع القوانين" حول حقوق "الاقفاص الامركية" في كوبا والافغان وما اذا كانوا اسرى حرب او من "المعتقلين" العاديين كما قال رامسفيلد قبل أيام.

* كاتب وصحافي عربي عراقي.

نقلاً عن موقع "أمين"