الأسرى بين بغداد وجوانتانامو

رأى خبراء قانون ومحللون عسكريون في حديث الرئيس الامريكي عن ضرورة تطبيق معاهدة جنيف الرابعة ، والخاصة بمعاملة اسرى الحرب دليلا على صعوبة المأزق الذي يعاني منه الرئيس الامريكي في ظل رأي عام داخلي ودولي غير مقتنع في معظمه بشرعية وقانونية الحرب في العراق ، واشار هؤلاء الخبراء الى ان خوض الامريكيين للحرب خارج مظلة الامم المتحدة سوف يصعب من امكانية اجبار العراق على الالتزام بتلك المعاهدة ، والتي تنص على انه " يجب معاملة اسرى الحرب بالحسنى في جميع الاوقات" كما تجب "حمايتهم خصوصا ضد اعمال العنف او الترهيب او الشتائم " .

واعلن الرئيس الامريكي جورج بوش الاحد 23/3/2002 أنه يتوقع أن يعامل العراقيون الأسرى الأمريكيين معاملة إنسانية ، مشيرا إلى أنه يشعر بقلق بشأن هذا الموضوع . واضاف " الحرب تسير بخطى بطيئة ، وأن على الشعب الأمريكي أن يدرك أن الحرب بدأت للتو وقد يبدو الوقت طويلا " . وكان التليفزيون العراقي أذاع مشاهد لجثث قتلى من الجنود الأمريكيين وعدد كبير من الأسرى بينهم امرأة . وقال التلفزيون العراقي إن هؤلاء الأسرى وقعوا في يد القوات العراقية اثر اشتبكات ضارية وقعت بين وحدات من الجيش العراقي والقوات الغازية في إحدى ضواحى مدينة الناصرية جنوب بغداد . وقام أحد المسئولين العراقيين بسؤال عدد من الأسرى عن الدول القادمين منها وكذلك المدن وكانت إجابات معظمهم أنهم قادمون من الولايات المتحدة الأمريكية خاصة ولايتي تكساس ونيوجيرسي وبسؤالهم عن أسباب مجئيهم إلى العراق قالوا "إنها الأوامر" ومن جانبه انتقد وزير الدفاع الامريكي دونالد رامسفيلد قيام العراق بعرض صور قتلى واسرى القوات الامريكية على شاشات التلفزيون ، واصفا ذلك بانه خرق وانتهاك لمعاهدة جنيف، وان معاملتهم هذه تعد انتهاكا للمواثيق الدولية المتعلقة بأسرى الحرب. وحذر من معاملة الاسرى الامريكيين معاملة سيئة وقال: انهم سيعاقبون على ذلك، عندما تنتهي الحرب وينهار نظام صدام حسين . واضاف ان "الولايات المتحدة تتجنب عرض اسري الحرب ، ولدينا آلاف الاسرى العراقيين في مخيمات لاسرى الحرب.. لكننا نتجنب عرض صور ومشاهد عنهم". ولكن خبراء قانون دولي شككوا في قانونية طلب رامسفليد ، مشيرين الى ان " معاهدة جنيف الثالثة لا تتضمن اي نص يمنع من إظهار الأسرى على شاشة التلفزيون ، وكل النصوص تتحدث عن تجميع الأسرى، وحسن معاملتهم واعتبارهم محاربين ، فربما اعتبر - بوش - هذا الظهور مخالف للمعاملة الحسنة التي يشترطها القانون الدولي في اتفاقية جنيف الثالثة ، وهذا أمر غير صحيح من وجهة نظر القانون الدولي .

وتساءل هؤلاء الخبراء " إذا كانت العملية العسكرية التي تقوم بها الولايات المتحدة نفسها هي عميلة غير شرعية، أليس من المستغرب من الولايات المتحدة أن تطلب إدانة غيرها لأنه يعمل عملية غير شرعية؟ " . قتلى امريكيون في العراق

معاهدة على الورق

وتنص معاهدة جنيف ، والتي وقعت في 27 يونيو معدلة عام 1949 والخاصة بمعاملة اسرى الحرب على تطبيق نصوصها " في حالة الحرب المعلنة واي نزاع مسلح آخر ينشب بين طرفين او اكثر من الاطراف العليا الموقعة حتى وإن لم يعترف بذلك احد المتنازعين".

ويُعمل بأحكام المعاهدة مهما طال النزاع ومهما بلغت درجة دمويته او حجم القوات المتواجهة فيه ووضعها الميداني. فالمقصود هي "عناصر القوات المسلحة التابعة لاحد اطراف النزاع اضافة الى عناصر الميليشيا والمتطوعين المنتمين الى هذه القوات المسلحة" التي يلقي القبض عليها احد اطراف القتال.

وبحسب المعاهدة "يجب معاملة اسرى الحرب بالحسنى في جميع الاوقات" كما تجب "حمايتهم خصوصا ضد اعمال العنف او الترهيب او الشتائم " (المادة 13). كذلك تخضع عملية نقلهم للشروط نفسها: "يتم دائما نقل اسرى الحرب ضمن شروط انسانية لا تقل عن الشروط التي تتمتع بها قوات الدولة الساجنة في تنقلاتهم" (المادة 46).

ومعاهدة جنيف لا تلزم اسرى الحرب الا على اعطاء اسمائهم ورتبهم واسماء وحداتهم العسكرية وتنص على اطلاق سراحهم فور انتهاء النزاع ، كما انه يحق للاسرى الحصول على محاكمة عادلة وصادقة ، وبالدفاع عن انفسهم وامكان نقض الاحكام .

والمطالبة الامريكية بتطبيق معاهدة جنيف على اسراها في العراق تكشف ازدواجية صارخة في طريقة تعامل واشنطن مع القوانين الدولية ، حيث رفضت واشنطن قبل اكثر من عام رفض تطبيق بنود تلك المعاهدة على المعتقلين من تنظيم القاعدة في معكسر جوانتانامو بكوبا ، واعتبر الرئيس بوش هؤلاء الاسرى "إرهابيين دوليين" وصنفتهم السلطات الامريكية على انهم "مقاتلين غير قانونيين " ، وهو توصيف غير موجود في القانون الدولي ومعاهدات جنيف الخاصة بمعاملة الاسرى .

ورفضت منظمة العفو الدولية التفسير الامريكي ، مشيرة الى " أن القضاء هو وحده الذي يحق له أن يفصل في من يمكن إدراجه في فئة أسرى الحرب، وليس الرئيس بوش " .

وقد امتنعت الولايات المتحدة حتى الان عن تقديم هؤلاء الاسرى ، المحتجزين في ظروف غير ادمية بحسب منظمات حقوق الانسان ، للمحاكمة ، وقضت محكمة فيدرالية بانه لا يحق لمحامي هؤلاء الاسرى مقابلتهم ، بل ان السلطات الامريكية وصفت المحامين بـ " أنهم مثل من يقوم بدور الدفاع عن الشيطان في الحرب على الإرهاب " .

موقف عراقي

ويلفت المراقبون الى مفارقة اخرى ، حيث ان الولايات المتحدة - نفسها - بثت في الايام الماضية صورا لاشخاص تقول انهم جنود عراقيون استسلموا لها ، وتكرر عرض تلك الصور مرات على محطات التليفزيون الامريكية والدولية ، بل ان قيادة القوات الامريكية الموجودة في قطر عرضت في احد مؤتمراتها الصحفية صورا لهؤلاء الاسرى المزعومين  

كما ان الصحف البريطانية خرجت الجمعة وعلى صفحاتها الاولى صورة لجنديين عراقيين قتلا في المعارك التي دارت في شبه جزيرة الفاو ، وظهر بجوار الجثتين اللتين تم قطع رأسيهما بوحشية علما ابيض ، مما يشير على انهما قتلا بعد استسلامهما ، وبعد ذلك تعرضا لعملية ذبح فصلت الرأس عن الجسد .

وقد رد وزير الدفاع العراقي الفريق أول سلطان هاشم أحمد على التهديدات الامريكية ، مؤكدا أن أسرى الحرب الأمريكيين لن يصابوا بأذى . وقال سلطان إن بلاده ملتزمة ازاء أسرى الحرب ببنود معاهدة جنيف الدولية ومن قبلها المبادئ الدينية والقيم والتقاليد العراقية.

وأكد مندوب العراق الدائم لدى الأمم المتحدة محمد الدوري ما ذكره الفريق سلطان ، مشيرا في تصريحات لشبكة سي ان ان الإخبارية الأمريكية أن بلاده ستحترم معاهدة جنيف بما يخص معاملة الأسرى الأمريكيين .

تعاليم إسلامية

وفيما يتعلق بالمبادئ الدينية التي قال وزير الدفاع العراقي انها سوف تطبق على الاسرى الامريكيين ، يجدر الاشارة الى ان القرآن الكريم جعل إطعام الأسرى من صفات الأبرار الأخيار المقربين إلى الله سبحانه وتعالى: }ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً{.. رغم أن هذا الأسير مشرك من عبد الأوثان زمان نزول القرآن ، إلا أن القرآن أثنى على الذين يطعمونه ويحسنون معاملته.

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يطلق الأسير بمجرد أن ينتهي من تعليم بعض المسلمين القراءة والكتابة كزيد بن ثابت رضي الله عنه الذي تعلم الكتابة من هؤلاء الأسرى.. وكان محبس هؤلاء بيوت الصحابة يأكلون مما يأكلون وينام الأسير كصاحب الدار لذلك أسلم كثير منهم لحسن معاملة الإسلام معهم.

وأوصى النبى صلى الله عليه وسلم بالأسرى خيرا، فقد ثبت أنه لما وزع الأسرى على الصحابة قال لهم "استوصوا بالأسرى خيرا" ويقول أحدهم -وهو أبو عزير بن عمير- شقيق مصعب بن عمير ـ كنت فى رهط من الأنصار حين أقبلوا بى من بدر فكانوا إذا قدموا غداءهم أو عشاءهم خصُّونى بالخبز وأكلوا التمر، لوصية الرسول إياهم بنا. وهناك من أطلق الرسول سراحهم لفقرهم وحاجتهم ولأنهم لا يملكون الفداء كما فعل في غزوة بدر وغيرها.

وفي غزوة بني المصطلق أطلق الصحابة الأسرى اكراماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم رغم أن قانون الحرب في زمانهم كان يبيح استرقاقهم أو قتلهم مع تحويلهم إلى عبيد وذل ومهانة. واعتبر القاضي ابن شبرمة انه " إذا دخل الأسير مكة فقد حقن دمه " أي الأسير الكافر أو المشرك بمجرد أن يدخل مكة ويلجأ إليها في حالة هروبه. جنود عراقيون تقول واشنطن انها اسرتهم.

 ذعر امريكي

ويرى المراقبون ان الجدل القانوني حول معاملة الاسرى يبدو غير ذات جدوى في ظل احتدام المعارك بين الجانبين ، معتبرين ان عرض الاسرى عبر شاشات التليفزيون يدخل ضمن الحرب النفسية المحتدمة بين العراق من ناحية وواشنطن ولندن من ناحية اخرى .

ولعل ذلك ما دفع وزير الدفاع الامريكي رامسفيلد لتحذير محطات التليفزيون من من اعادة عرض صور الاسرى الاميركيين، مؤكدا انها سوف تعرض نفسها للعقوبات ان فعلت ذلك . ومن جانبها شددت الحكومة البريطانية على وسائل الاعلام وشبكات التلفزيون البريطانية لعدم بث تلك الصور ، وقد استجابت شبكة " بي بي سي " لذلك التوجيه ، وامتنعت عن البث .

ويبدو ان هذه الصور قد فعلت فعلها ، حيث نقلت شبكات التليفزيون الامريكية لقاءات مع والدة احد الاسرى ، طالبت خلالها - وهي تبكي - الرئيس الأمريكي جورج بوش بإعادة وابنها إليها ، مؤكدة أنها ترفض الحرب التي تشنها قوات التحالف الأمريكية - البريطانية علي العراق .

وقالت الأم الامريكية أنها شاهدت ولدها ضمن الأسري الذين أعلن عنهم القوات العراقية في التلفزيون ، وان هذه اللحظة كانت اقصي لحظة في تاريخها وأكبر مفاجأة كانت تتوقعها مشيرة إلي انها لم تتمالك نفسها وانفجرت في البكاء . وأعلنت الام رفضها التام للحرب التي تشنها امريكا ضد العراق مؤكدة أن الحرب لها أهداف خفية لا تنم عادة عن الظاهرالذي دائما يؤكد عليه القادة .

ويذكر ان مظاهرات واحتجاجات وامهات الجنود الامريكيين في فيتنام قد لعبت دورا كبيرا في وقف تلك الحرب ، وضغطت على المسئولين لاجراء مفاوضات مع الفيتنامين انتهت بانسحاب القوات الامريكية ، والتي تعدت 250 الف جندي ، وذلك بعد ان تكبدت خسائر بشرية قدرت بـ 58 الف ما بين قتيل ومفقود .

سيناريو فيتنام

وفي حال استمرار العراق في عرض صور الاسرى والقتلى الامريكيين ، فان ذلك سوف يؤثر بشدة على تأييد الرأي العام الامريكي للحرب ، خاصة وان استطلاعات الرأي التي اجريت مؤخرا اظهرت تأييدا مترددا من جانب المواطن الامريكي للحرب ، يرجع في معظمه الى تصريحات المسئولين الامريكيين التي صورت الحرب كـ " نزهة في مدن العراق " ، الا ان توالي ظهور الاسرى على التليفزيون او وصول القتلى والجرحى الى واشنطن ولندن سوف يضعف من هذا التأييد ، وربما يولد احتجاجات عنيفة ضد الحرب .

ويلفت المراقبون الى ان العراق نجح حتى الان في ادارة الحرب النفسية بكفاءة ومصداقية تفوق الجانب الامريكي بكثير ، واعتمد العراقيون على الحقائق لتفنيد ما تعلنه القوات الامريكية ، فالامريكيون اعلنوا ان صدام قتل او اصيب ، لكنه ظهر على التليفزيون منذ بداية الحرب اكثر مما ظهر الرئيس الامريكي نفسه .

واعلنت واشنطن استسلام الفرقة العراقية الحادية والخمسين وقائدها ، الا انه ظهر بعد ذلك على شاشة الجزيرة وسط أركان فرقته . وفيما سارعت واشنطن لنفي ما اعلنه العراق عن اسقاط طائرات او اسر جنود امريكيين وبريطانيين ، رد العراق باظهار هؤلاء الاسرى على شاشات التليفزيون .

ونجحت قنوات التليفزون العربية والمستقلة في كسر الاحتكار الامريكي لمصادر الاخبار ، مثلما فعلت قناة " سي ان ان " الامريكية في حرب 1990 ، وقد عرضت هذه القنوات صورا مفجعة لعشرات الاطفال والمدنيين العراقيين الذين قتلتهم القنابل العنقودية الامريكية ، رغم اعلان البنتاجون المتكرر عن تجنبه قصف المدن للابتعاد عن استهداف المدنيين .

ويشدد المراقبون على ان استمرار سقوط قتلى واسرى امريكيين وبريطانيين في المعارك الدائرة في العراق ، سوف يضع الجانبين في النهاية امام تساءل محوري مضمونه : هل النفط اغلى من الدم الامريكي والبريطاني

الأسرى بين بغداد وجوانتانامو