اختلال السياسات من رام الله إلى جوانتنامو .. أخطاء مملكة القوة
واشنطن - حسن أحمد الحسن
(*) يقول مسؤولو البنتاغون إن الإتهامات بخصوص سوء معاملة المحتجزين من عناصر القاعدة وطالبان في القاعدة الأمريكية بكوبا مسألة تصور فقط. وهي إتهامات فاجأت البنتاغون أيضاً.
(*) لكن الأمر لا يبدو غريباً إذا تمت قراءته مع الأحداث الجارية في فلسطين فمثلما تنظر إسرائيل الى ياسر عرفات والمنظمات الفلسطينية كإرهابيين لابد من محاربتهم، كذلك ينظر البنتاغون الى أسرى القاعدة وطالبان ومن لفّ لفهم حسب تعريفات بوش. فالسيد عرفات يُحدد شارون إقامته في رام الله محاصراً في مقر إقامته بالدبابات الإسرائىلية أسيراً لديها، والبنتاغون يحدد إقامة أسرى جوانتنامو مشدودين الى الأسلاك في ظروف أثارت الرأي العام الغربي.
(*) ويتفق الإسرائيليون والأمريكيون حول مفهوم الارهاب وهو المفهوم الذي لا يزال الشرق الأوسط يبحث عن عقد مؤتمرات دولية لتحديده وتعريفه بينما يفتك شارون بالفلسطينيين كيف يشاء، وهذا ما يبرر بالطبع الصمت الأمريكي إزاء ما يحدث والذي يعتبره البعض ضوءاً أخضر لشارون ليفعل كيف يشاء.
(*) ولئن صمت المسؤولون العرب عن ما يحدث في فلسطين هذه الأيام من قتل وتخريب في المدن الفلسطينية لتركيع الفلسطينيين خوفاً وطمعاً من واشنطن فالأمر يختلف تماماً في الغرب وحتى في داخل أمريكا حيث يحاصر الرأي العام الغربي المسؤولين الأمريكيين حول أوضاع الأسرى في جوانتنامو بعد أن وزعت وسائل الإعلام الأمريكية صوراً توضح كيف تتم معاملتهم في أسوأ الظروف الإنسانية، وهي الصور التي شكلت صدمة للكثيرين في أمريكا وبريطانيا وبالعديد من الدول الغربية وأثارت منظمات وجماعات حقوق الإنسان في أكبر حملة يواجهها رامسفيلد والبنتاغون. هذه الحملة تبدت في أوضح صورها في محاصرة رامسفيلد من قبل الصحافيين حيث حاول الوزير الأمريكي جاهداً أن يخفف من حدتها دون جدوى.
(*) ويقر مسؤولو البنتاغون بأنه جدل نتج ربما في أعقاب تصريحات أدلى بها رامسفيلد قبل اسبوع عندما شارك في ندوة إذاعية مع أربعة صحافيين أحدهم من بريطانيا وربما دفعت أسئلة الصحفي البريطاني الملحة بشأن معاملة الأسرى رامسفيلد لتصريحات حاول أن يقول من خلالها مبرراً أن الأسرى يُعاملون معاملة حسنة وفي ظروف أفضل من التي تم فيها القبض عليهم.
(*) ويعتبر الكثيرون خارج الولايات المتحدة أن رامسفيلد لا يعير أي اهتمام للقلق الدولي بشأن معاملة المحتجزين الأسرى حيث عبرت جماعات الدفاع عن حقوق الإنسان من قلقها وانتقدت منظمة Human Rights Watch وضع المحتجزين في العراء بشكل دائم مشدودين الى الأسلاك ومقيدي الأيدي والأرجل ومعصوبي الأعين الى حين بناء منشآت لإيوائهم، أما منظمة Amnesty International فانتقدت وضع الأقنعة على رؤوس الأسرى وتكبيلهم والأنباء أشارت الى تخديرهم في أثناء نقلهم الى كوبا من أفغانستان.
(*) ولعل هذه الانتقادات دفعت رامسفيلد الى القول في محاولة للتبرير بعد عجزه عن نفي ما يحدث للأسرى «إننا لا نتوقع أن يتفق معنا الجميع. ما حدث هنا أننا تعرضنا لهجوم وقتل الآلاف ثم ذهبنا الى أفغانستان ووضعنا أيدينا على مئات من الأشخاص كانوا يغتالون الناس، واعتبر أن معظم الناس يعتبرون ما يقومون به أمراً معقولاً».
مشيرا الى أن كل من يلمح بأن هناك سوء معاملة للمحتجزين مخطيء تماماً.
(*) ويقول أحد المسؤولين في وزارة الدفاع إن الذين ينتقدون سياسة الولايات المتحدة ينبغي أن يسألوا أسرى الحرب الأمريكيين أثناء حرب فيتنام الذين تعرضوا آنذاك لاعتداءات تفوق الوصف وسيدركون على الفور أن الوضع في جوانتنامو في وضعه الصحيح.
(*) ويرى المنتقدون لسياسة الولايات المتحدة تجاه الأسرى والتي تتعارض مع اتفاقية جنيف أن واشنطن تجنح الى الانتقام الوحشي بطريقة لاتتفق مع قيم المجتمع الأمريكي والحضارة الغربية.
وهم في ذلك لا يستثنون الآلاف الذين لاقوا حتفهم من المدنيين في أفغانستان أثناء القصف بل وما حدث من قصف اعتبره البعض متعمداً لبعض المواقع والأشخاص.
(*) إلا أن قوة الانتقادات التي واجهتها الإدارة الأمريكية في هذا الشأن والتي اتسمت بها الصحافة البريطانية بشكل خاص قد أجبرت في نهاية المطاف الولايات المتحدة الى الإعلان عن وقف نقل الأسرى من أفغانستان الى قاعدة جوانتنامو في محاولة لامتصاص الغضبة الغربية.
(*) وبمقارنة بسيطة للدور الذي يقوم به الإعلام الغربي في مواجهة مثل هذه التجاوزات والأخطاء التي تجيزها السياسة الأمريكية في مواجهة خصومها يتقلص دور الإعلام العربي خاصة الرسمي في البلدان العربية كافة ويبدو عاجزاً عن مواجهة ما يحدث في الأراضي المحتلة من انتهاكات أسوأ بكثير وصلت الى حد قيام قوات الاحتلال في طولكرم بتقطيع أوصال محتجزين من حماس بعد قتلهم وحرقهم.
ورغم الفرق الكبير بين مكتسبات المواطن الغربي والعربي في مجال الحرية والديمقراطية وبخاصة حرية التعبير إلا أن ما يحدث على الأرض يوجد مبررات قوية لأن يرتفع صوت يندد بما يحدث دون أن يخشى رهباً من أمريكا التي بقدر ما تمتلك من قوة في مواجهة الآخرين إلا أنها تخشى مثل ماتواجهه الآن من انتقادات حادة دفعتها على الأقل لوقف إفرازات انتقامية ضد أسرى جوانتنامو ووقف استقدام آخرين يلاقون نفس المصير.
(*) ورغم إقرار الدول العربية بضعفها إزاء مملكة القوة الأمريكية وحليفتها إسرائيل إلا أن أضعف الإيمان هو إطلاق عقال الرأي العام العربي للتعبير عن نفسه إزاء ما يحدث خاصة وأن الإدارة الأمريكية قد يغريها الصمت العربي لممارسات قد تجد هي لديها ما تبررها به باسم محاربة العنف والارهاب لكن قد لا يجد الآخرون لها مبرراً منطقياً في إطار الرأي العام الغربي المتحرر من الخوف وعقد الضعف.
(*) ولعل ما يحتاجه الشرق الأوسط لنزع عصابة الخوف هو في مزيد من فهم مكونات المجتمع الأمريكي ومؤسساته وأساليب التعامل معه حتى يتسنى للرأي العام العربي وللرأي والقرار الرسمي أن يكون متسقاً مع مصالح الشعوب ومقتضيات كرامتها. لأن ما يحدث في فلسطين اليوم هو مثل ما حدث في أفغانستان بالأمس وإن كان بدرجات مختلفة فإن المفهوم الذي حرك الحدث هو محل اتفاق بين أمريكا وإسرائىل على اختلاف الساحات.
وأن المفهوم الذي ينبغي أن يحرك الرأى العام العربي ومؤسساته السياسية لا يزال يبحث عن تعريفات ومؤتمرات على الأقل في نظر الحكومات العربية التي ينظر المسؤولون فيها الى تعابير الوجه الأمريكي قبل الإقدام على موقف يغضب الضيف المقيم الذي يؤثرونه علي أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة.المصدر : الرأي العام