شاهد عيان على مأساة المعتقلين في جوانتانامو ...
على تلة مرتفعة تنحدر عمودياً باتجاه البحر الكاريبي في المحيط الأطلسي، تنتصب حورية نصفها الأعلى عارٍ، وظهرها إلى البحر ووجهها صوب معتقل دلتا الحديث البناء، حيث يُحتجز نحو 400شخص، تعدهم الولايات المتحدة العدو رقم واحد.
يقع المعتقل على تلة في منطقة وينوارد في جوانتانامو المستأجرة من الكوبيين لمصلحة الجيش الأميركي قبل مائة عام تقريباً.
أما المعتقلون فعددهم 483 يتوزّعون على 43 جنسية وتتراوح أعمارهم بين التسعة عشر عاماً والستين عاماً، لكن غالبيتهم من الشباب. ويطلق على كبيرهم وهو الوحيد الذي تجاوز الستين لقب الشيخ ، ولم تتوافر أي معلومات أخرى عن جنسيته أو هويته أو مركزه.
المعتقلون متّهمون بالانتماء إلى تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن، أو إلى حركة طالبان الأفغانية. أسروا جميعاً بحسب ما قاله قائد قوة العمليات المشتركة (جي تي إف - 061) البريغادير جنرال ريك باكوس، أسروا داخل أفغانستان وبينهم معتقل مسيحي لم تحدد جنسيته أو عمره، وكل ما توافر عنه أنه اعتقل في أفغانستان، واحتجز في قندهار ومنها نقل إلى جوانتانامو مطلع العام الجاري.
بهذه الكلمات بدأ "منير الخطيب" الصحفي بجريدة الحياة اللندنية تقريره عن زيارته للقاعدة العسكرية، أو بمعنى أصح للمعتقل الأمريكي بجوانتانامو الكوبية ..حيث يقول معلقًا على وجود معتقل نصراني بين المعتقلين الإسلاميين ..ولم ينفع الإلحاح والأسئلة المتكررة عن سبب وجود مسيحي في أفغانستان خلال حكم طالبان للإمارة الإسلامية، في استدراج الجنرال إلى جواب واحد أو معلومة إضافية. ورفض خلال حديثه إلى الحياة إعطاء أي تفسيرات عن المعتقل الغامض، مكتفياً بالقول إن مهمة جي تي إف - 061 محددة باحتجاز المعتقلين داخل جوانتانامو فقط وضمان سلامتهم، وأن القوة غير معنية بظروف اعتقالهم أو مستقبلهم الذي تقرره وزارة الدفاع الأمريكية بعد انتهاء التحقيقات معهم.
بداية المأساة
ويضيف مندوب جريدة الحياة اللندنية قائلا رحلة المعتقلين إلى دلتا بدأت فعلياً في 11 أيلول (سبتمبر) عام2001 صبيحة ذلك اليوم اصطدمت طائرتان ببرجي مركز التجارة العالمية في نيويورك، وطائرة ثالثة بمقر وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون في واشنطن، وسقطت طائرة رابعة فوق منطقة غير مأهولة في ولاية بنسلفانيا، تضاربت التكهنات في وجهتها الأصلية، وإن أجمعت غالبيتها على أن هدفها البيت الأبيض مقر الرئيس الأمريكي.
مع الاستفاقة من صدمة التفجيرات، وجدت الولايات المتحدة نفسها في مواجهة عدو من نوع جديد. عدو لا دولة له ولا هوية، عدو ليس بالسهولة إمساكه، على شاكلة الإنترنت شبكة متشعبة، لا مكان محدداً لرأسها وامتداداتها في كل مكان.
الأدلة ازدادت مع رفع آلاف الأطنان من الركام، وضاقت دائرة الاتهام إلى أن تحدد الهدف: تنظيم القاعدة وحاضنته حركة طالبان الأفغانية التي نجحت خلال مدة حكمها التي لم تتجاوز الست سنوات، في معاداة غالبية دول العالم. وقسَّم الرئيس الأمريكي العالم معسكرين: مع الإرهاب وضد الإرهاب وبدأت أولي حروب القرن الـ12.
أسطورة الجغرافيا الأفغانية انهارت مع غارات سلاح الجوّ الأمريكي الأسطورية في حدتها. ومن دون الدخول في تفاصيل الحرب غير المنتهية بعد، أسرت القوات الأميركية المئات في طول أفغانستان وعرضها، بعضهم احتجز في معسكر قرب قندهار المعقل الرئيس السابق لطالبان ونقل نحو 400 منهم إلى قاعدة بحرية في كوبا، أي إلى دولة لا تخضع للسلطات القضائية الأمريكية أو أي سلطة أخرى غير عسكرية، قاعدة لها قواعدها الخاصة وتتيح للأمريكيين مجـال حـركة أوسع.
طلائع الأسرى بدأت بالوصول الى جوانتانامو في 11 كانون الثاني (يناير) الماضي، عدد الفوج الأول لم يزد على العشرين أسيراً، وصلوا في طائرة نقل عسكرية من دون نوافذ وعيونهم معصوبة وأفواههم مكممة، والأيدي مربوطة بسلاسل حديد إلى الأرجل.
مسؤولية نقل الأسرى كانت على عاتق القوة المشتركة. وبرر الجنرال باكوس الكمامات بالقول إن بعض المعتقلين ربما كان مصاباً بداء السل المعدي، فوضعت الكمامات لحماية بقية الأسرى وحراسهم، وكان الجنرال قد أكد في الحديث نفسه أن الأسرى خضعوا لفحوص طبية بيَّنت قدرتهم على تحمل أعباء السفر.
معتقل أكس ..والأقفاص الحديدية
الإقامة الأولى كانت في معتقل أكس راي الذي يبعد نحو 500 متر عن مدرسة ابتدائية لأبناء الجنود والضباط الأمريكيين العاملين في جوانتانامو. يضم المعتقل 320 زنزانة وتحيط به تسعة أبراج مراقبة، أما سوره فيتألف من سياجين شائكين تفصل بينهما مسافة مترين من أرض رملية ممسدة. الحراس داخل المعتقل غير مسلحين ويتبعون الشرطة العسكرية. وفي هذا الجهاز الأمني عادة ما يغلب عدد المجندات على الذكور، وحول المعتقل يتولى الحراسة جنود سلاح مشاة البحرية (المارينز).
استوعب معتقل أكس راي 300 معتقل وصلوا على ست دفعات وأخضعوا لفحوص طبية دقيقة، بينها صور إشعاعية للصدر وفحوص دم.
وإلى يسار المعتقل، غرفتان خشبيتان مكيفتان تؤخذ داخلهما بصمات المعتقلين وتسجل بياناتهم الشخصية، ومن ثم يفرز كل منهم إلى زنزانة خاصة. وإلى اليمين أربع غرف خشب من دون نوافذ مخصصة للتحقيق مع المعتقلين، وإلى جانبها مستوعبات صغيرة للاستحمام وقضاء الحاجة. وعلى بعد بضعة أمتار منها يوجد مستوصف والى جانبه زنزانة أصغر حجماً.
قال الرائد رينولدز إنها مخصصة للانتظار قبل نقل المعتقل إلى المستوصف. ورفض أي إيحاء بأن لها دوراً عقابياً.
وتصف جريدة الحياة الزنازين في معتقل أكس راي بأنها على شاكلة أقفاص مربعة الحجم (8 أقدام) على أرض صلبة لا جدران لها وسقفها من الصفيح والخشب، يسمح للأسرى بمشاهدة بعضهم بعضاً والتخاطب عبر العوازل الحديدية. وتوافر لكل سجين وعاء ماء للتنظيف وفرشاة أسنان وفراش للنوم وصابون ومعجون أسنان ومنشفتان تستخدم أحداهما كبساط للصلاة، ولحافان وشرشف وصندال. وسمح للأسرى بالاحتفاظ بمصحف وبعض كتب التفسير التي يجيز دخولها إلى المعتقل المرشد الإسلامي العسكري.
المعتقلون ممنوعون من صلاة الجماعة
ويبدأ يوم المعتقلين مع آذان الفجر- كما تصف جريدة الحياة-وأول المؤذنين في المعتقل المرشد الإسلامي محمد أبو حنا سيف الإسلام، وهو ضابط في المارينز بنغالي الأصل. وتم ذلك في السادس والعشرين من كانون الثاني (يناير) الماضي. لكن المرشد لا يشارك المعتقلين الصلاة فهم ممنوعون من الصلاة الجماعية.
بعد الصلاة يقدم الفطور، وهو عبارة عن حبوب وعصير وقطعة خبز وعبوة ماء، ومن ثم يسمح للمعتقلين بالاستحمام والاسترخاء داخل الزنزانات ولا ينقلون منها إلا في حالات التحقيق.
وقبل الظهر يعاين المعتقلون وينقل من هم بحاجة إلى علاج إلى مستوصف المعتقل أو إلى مستشفى قيد البناء داخل معسكر دلتا ، أو يوصف لهم دواء داخل الزنزانات، وللوضوء يستخدم الأسرى وعاء الماء داخل الزنزانات.
عند الظهيرة يؤدون الصلاة، ثم يتناولون طعام الغداء، وهو عادة مؤلف من طبق مكرونة وخضار مع اللحم وحبوب مجففة وزبيب وقطعتي بسكوت وكيس بطاطا مقلية، وكيس فستق وعبوة ماء.
ويوزع البريد الوارد في فترة بعد الظهر، ويسمح في هذا الوقت للمعتقلين بحمام إضافي خصوصاً أن درجتي الرطوبة والحرارة مرتفعتان في جوانتانامو الواقعة على خط الاستواء.
وبعد تأدية صلاة المغرب يقدم العشاء وهو مؤلف من طبق أرز مع فاصوليا عادة، أو نوع آخر من الحبوب وقطعة خبز وماء. ويُعد الطعام بحسب الشريعة الإسلامية في مطابخ الجيش الأميركي. ويقدم الشاي مرتين للأسرى خلال اليوم. ومساء تجول دورية طبية على المعتقلين لتسجيل شكاواهم وتلي ذلك فترة للاستحمام ومن ثم صلاة العشاء.
خيالات أسرى
ويؤكد مندوب جريدة الحياة اللندنية قائلاً: لقد كانت المهمة الصحافية شاقة في قاعدة جوانتانامو العسكرية، فبرنامج الرحلة الذي أعدته وحدة العلاقات العامة التابعة لقوة العمليات المشتركة (جي تي إف-61) كان حافلاً بالنشاطات التي لا ضرورة لها، وكادت أن تحوّل زيارة القاعدة التي استغرق الوصول إليها من بيروت أكثر من ثلاثين ساعة، إلى زيارة سياحية بامتياز.
الغريب أن في معسكر دلتا فوجئنا بوجود ستار من القماش الأخضر، يجعل من شبه المستحيل رؤية الأسرى، خصوصاً أن الزنزانات في دلتا مغطاة الجوانب بالقماش أيضًا. فكان مجال الرؤية الوحيد هو خلال تنقّل الأسرى، وحينها لا يشاهدون إلا كخيالات ضوئية.
وردت القوة المشتركة طلب رؤية الأسرى بحجة أن الأمر يحرج المعتقلين، وقال الرائد جيمس بل إن الأسرى ليسوا في سيرك ليعرضوا على الجمهور ، وردّد الكلمة الأخيرة بحدّة زائدة. وعندما استفسرناه عن سبب حدته أجاب أن بعض وسائل الإعلام وصفت الزنزانات بالأقفاص مما أثـار موجة اعتراض هيئات مدافعة عن حقوق الإنسان .
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
الإسلام اليوم – خاص 29/4/1423هــ
http://www.islamtoday.net/articles/...d=80&artid=1150