عدالة أم ثأر؟

المصدر: كنتري بونش – من أشهر الصحف السياسية الأمريكية.
الكاتب: تيري وايت، ممثل سابق خاص للأسقفية النصرانية في كونتري بوري، وقد احتجز بواسطة المتطرفين في بيروت 1987-1991.
التاريخ: 23 – يناير- 2002
الترجمة: مسدد الأسدي.

المحتجز الأمريكي السابق في بيروت ، تيري وايت، يتحدث عن سجناء قوانتانامو: عدالة أم ثأر!؟
أنا أستطيع أن أتصور حالة السجناء المحتجزين في المعسكر الأمريكي في قوانتانامو، وذلك لأنه سبق لي أن كنت هناك!
ليس في محتجزكوبا- إكس ري- ، ولكن في الخلية المظلمة في بيروت التي ظللت قابعاً فيها لمدة خمس سنوات. كنت مكبلاً بالسلاسل ومقيداً بيدي وقدمي في الجدار، وأتعرض للضرب على أسفل قدمي مستنكرين بذلك جميع حقوقي الآدمية، ولم يسمح لي الإتصال بعائلتي طوال الخمس سنوات، ولا معرفة ما يدور بالعالم الخارجي.
ولأنني حتجزت في ظروف مشابهة جداً، فإني إمتعضت جداً من الطريقة التي نحن – الدول التي نقول عن أنفسنا أننا متحضرون- نتعامل بها مع هؤلاء السجناء! فهل هذا عدل أم ثأر!؟
أنا كنت مصراً على أن هذه الخمس سنوات في المحتجز لن تغلبني وتفل قواي، وكان لي ذلك. لكن لم تكن سهلة أبداً! وأصعب شئ على السجين في هذه الظروف هي عدم الإستقرارية والثبات وجهالة المصير. أنت لا تعرف ماذا سوف يحدث لك وعن مصيرك غداً: لا تملك حقوقك، لا أحد تتحدث إليه، ولا أحد يرشدك، ولا أحد تعتمد عليه. لا تملك إلا مصادرك ومعلوماتك الشخصية. هؤلاء الرجال، الذين قد يكونوا وقد لا يكونوا مذنبين، سوف يمرون بهذه الحالة من الشعور بالإنعزالية والإنقطاع.
لأربع سنوات من الفترة التي قضيتها، أحتجزت فيها بشكل إنفرادي وبدون رفقة أحد. وفي أغلب الأوقات أكون معصوب العينين، أو لابد من عصب عيني إذا أراد أحد الدخول علي في الغرفة، وبهذا أنا لم أر إنساناً قط! وأول التأثيرات السلبية في ذلك أني أشعر بأني لست طبيعياً، ولكن في الواقع سوف تعتاد عليه، وتتعلم كيف تتعايش مع الوضع. لكن الأمر صعب جداً، ولا أحد يمكن أن يجبر على محاولة المرور بالتجربة.
ولقد مررت بنظام غذائي شبيه بما يعطى لهؤلاء الرجال – خبز، جبن، أرز، فاصوليا. وكان الطعام يمثل درجة الكفاية القانعة، ولا يصل إلى درجة الرخاء ومن جراء ذلك فقدت كثيراً من وزني. وأكبر مشقة واجهتني هي عدم السماح لي بالتمارين طيلة الفترة التي قضيتها. وكنت أحاول تمرين جسمي بما أستطيع وأنا مقيد على الجدار. وكان لدي خمس دقائق فقط للذهاب للحمام، وباقي الوقت أستعيض بقارورة. الوضع لم يكن إنسانياً ولكن أحاول إثبات إنسانيتي طيلة الفترة الماضية. وما قاسيته يجعلني أكثر إصراراً عند قولي أن السجناء بأي وصف كانوا لابد من أن يعاملوا بشكل إنساني وعادل. وسوف أقف من أجل حقوق المتهمين بالإرهاب و مع أي أحد يواجه تهم خطيره. أنا لست رقيقاً ومتعاطفاً مع الإرهاب - فلقد واجهته مراراً - ولكني متعاطف مع الحق وقيم العدالة. إني أخشى - إلا إذا أتخذ إجراء صارم لتطبيق العدل والإجراءات النظامية- على الولايات المتحدة من نتائج الفترة الطويلة هذه، أن تجر عليها المصائب. الإرهاب لم يهزم بشكل نهائي و بقوة السلاح، لكن لابد من التعامل مع جذور القضية المتسببة، وتسأل: ما الذي يجعل الناس يتصرفون بالطرق المتطرفة!؟
وما يزعجني حقاً هو أن وضع المحتجزين مقرر، فيما يبدو، وبشكل كبير ونهائي من خلال الرئيس الأمريكي ومستشاريه. وهذا الوضع من المفترض أن يقرر بواسطة محاكمة مستقلة. ولكن الذي يبدو أن الولايات المتحدة تضع القوانين كما يبدو لها. في البداية: قيل أن العمل التخريبي المتطرف في نيويورك وواشنطن كان "عملاً حربياً"!!، أما الآن فهم يقولون: إن هؤلاء المحتجزين ليسوا سجناء حرب!! وأنهم جنود غير قانونيين!! لذلك لابد من وجود محكمة مستقلة حتى تحدد حقيقة هؤلاء!!
إذا كانت الولايات المتحدة تخترع هذه القوانين، فسوف تنعدم المسئولية الأخلاقية والإنسانية حتى من جهة الدول الأخرى، فقد يحدث أن يحتجز أو يعدم الأمريكان والأوروبيين التي تدور عليهم أصابع الإتهام. ولن تكون هناك قاعدة من الأخلاقيات نعتمد عليها إذا ما تركنا هذا الأمر يستمر. وقد قال لي بعض الأمريكيين أنهم لا يستطيعون الإنتظارمن أجل المحاكمة الدولية لأنها تأخذ وقتاً أطول! وربما تأتي بنتائج مختلفة عما نحن نتمنى!!!
لا جدال يفترض في هذا، ولا يهم كم يأخذ من الوقت، العدالة لابد أن ترى على أرض الواقع وتنفذ بشكل موضوعي وحيادي.
ولقد صدمت عندما سمعت من أمريكي عالي المستوى يقول: أن استخدام التعذيب بشكل محدود و في ظروف معينة قد يكون مبرراً! هذه عبارة مستهجنة عندما تصدر من شعب متحضر! لأن التعذيب بأي شكل لايمكن أن يبرر، وفي العلن لابد أن يرفض ويجرم! أما من جهة المحاكمة، فهؤلاء الرجال لهم الحق في الدفاع عن أنفسهم ويجب أن تكون محاكمتهم تحت مظلة الأمم المتحدة. وإنه من المهم جداً أن ندعم المعايير الدولية من أجل حماية الأبرياء، ومن أجل حماية الأمريكيين أو الأوروبيين الذين قد يجدون أنفسهم في ظروف مستقبلية صعبة. ومرة أخرى: المبادئ والأخلاقيات الإنسانية مجتمعة و متحدة يداً بيد.

مسدد الأسدي: يؤمن بأن الحكم لله سبحانه ويكفر بتحكيم غير دين الله.