أمريكا تنتهك القانون بحق الأسرى بجوانتانامو

كتب / محمد خير عوض الله  ( صحيفة المحايد ) :
بعد المجازر الوحشية التي ارتكبتها الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان، والتي راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء من النساء والعجزة والأطفال ... بعد تلك المآسي التي اختفت فيها قرى كثيرة عن الوجود تحت سمع وبصر العالم أجمع ... لن تصبح الدعاوى على معاملة الأسرى في القاعدة الأمريكية بكوبا (غوانتاناموا) إلا كمن يحرث في البحر أو يسعى جاهدًا لأخذ الماء من السراب ... ولكن ذلك يجيء مفاجئـًا بالنسبة لكثيرين كانوا يرون في الولايات المتحدة مثالاً حقيقيـًا لدولة تلزم نفسها بكل قيم الحرية والعدالة والمساواة وتعمل على إلزام الآخرين بها.
وظن كثيرون ـ وبعض الظن إثم ـ أن مثال الحرية الذي يرتفع في سماء نيويورك ما كان له أن يصارع السنين هناك عبثـًا، إنما هو واقف في إباء ليجسد بالفعل المعاني التي وقف إليها ( الحرية) ... ولكن الذين يعرفون حالات مقتل زعامات مؤثرة (مثل مالكوم اكس) أو الذين يتابعون حالات اغتصاب الحرية تحت جنح الظلام باسم (قانون الأدلة السرية) يعرفون أن مساحات واسعة تنداح فيها الحرية بالفعل، ولكن خطوطـًا حمراء غير معلنة تسب تمثال الحرية كل يوم في الخفاء وتلف أعناق الكثيرين ولا أحد يعرفهم فضلاً من أن يدافع عنهم أصلاً ... ويكفي مثالاً شيخ ضرير لفقت أمريكا (أكبر دولة في العالم) ضده التهم وجعلته حبيس سجونها لعدة سنين بلا أي محاكمة معتبرة ... إنه الشيخ عمر عبد الرحمن الزعيم الروحي للجماعة الإسلامية في مصر والذي ظن أنه حينما يغادر مصر التي ضاقت به وضاق بها سيجد في أمريكا ـ راعية الحريات في العالم ـ راحته ... ولكن هيهات ...
حرب الإرهاب حرب مقدسة
استطاعت أمريكا ببراعة أن تسوّق لخُطتها التي وضعتها حينما أرادت أن تشرع في الرد على هجمات 11/9 التي أصابت كل معاني الكبرياء فيها ... ونجحت في التسمية أولاً (الحملة ضد الإرهاب) لأن كلمة (حملة) ليست ككلمة (حرب) لأن للحرب تبعات عديدة من بينها (معاملة أسرى الحرب)!! التي يجب أن تكون وفقـًا لميثاق جنيف!! وكذلك كلمة (الإرهاب) فهي ليست ضد دولة بعينها ... وليس لنوع هذه الحرب مدة زمنية محددة ... ولذلك فإن (الحملة الأمريكية ـ أو الدولية ـ ضد الإرهاب) يمكنها أن تشمل دولاً عديدة ... ويمكنها أن تستمر لسنين مديدة ... وهكذا كان المكر من وراء التسمية ... والنجاح الثاني تمثل في الحشد الدولي الهائل الذي اصطف في تلك الأجواء من خلف أمريكا ... (الآن بعضهم يظهر تبرمه ...) ولو لم تتمكن أمريكا من تكوين ذلك التحالف، لما تمكنت من الوصول إلى درجة التصرف المطلق كيفما تريد ... كل هذا يقودنا إلى الحديث عن أن الطرح المتأخر عن المعاملة القاسية التي يعامل بها أسرى (طالبان والقاعدة)، جاء بعد أن فرضت أمريكا أجندتها بصورة تدعو إلى الدهشة ... لأنها استطاعت أن (تجنّد) باكستان (وتحيّد) إيران وتخطب ود روسيا وتستخرج الإشارات الخضراء من الصين أمّا أوروبا فقد مثلت لها العمق الاستراتيجي إن لم نقل الحديقة الخلفية لها!!
لذلك كان ينبغي على أهل الرأي ـ من رجال القانون والمحاماة خاصة ـ أن يظهروا أصواتهم في مرحلة الإعداد تلك ... حتى إذا جاءت المرحلة الراهنة، سمع لهم صوتهم وجعل لهم ألف حساب ... لقد وزع الصليب الأحمر (وهو المنظمة دولية المعنية بلعب دور الوسيط الإنساني في ظروف الحرب، وفق قوانين ومواثيق معترف بها من المنظمة الدولية الأم (الأمم المتحدة) ـ صورًا للأسرى في غوانتاناموا بالغة الأثر وهم مقيدون ومعصوبو الأعين ... ثم سربت الأجهزة الإعلامية عن خلافات كبيرة بين الصليب الأحمر والحكومة الأمريكية، بعد أن صرح الناطق باسم اللجة الدولية للصليب الأحمر (كيم غوردن بايتس) بأن أي شخص أوقف في إطار نزاع دولي يعتبر أسير حرب حتى تثبت محكمة مؤهلة العكس» وكانت المنظمة الدولية قد أشارت إلى أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يمنح القوة المعتقلة حق مقاضاة أسرى الحرب الذين يشتبه في تنفيذهم جرائم حرب أو أي جرائم أخرى قبل المواجهات العسكرية أو خلالها ... ولكن وزير الدفاع الأمريكي (رامسفيلد) يرد بالقول: لن يعتبر أيـًا من هؤلاء الأسرى بمثابة أسير حرب ... وأن عناصر طالبان لا تتوافر فيهم الشروط الواردة في اتفاقية جنيف حول الجنود في أي جيش نظامي كـ «البزات والشارات والأسلحة الظاهرة» أما عناصر القاعدة فلا يمكنهم المطالبة بتطبيق اتفاقية جنيف عليهم لأنهم ينتمون إلى منظمة إرهابية وليس إلى دولة» وهذا يوضح بجلاء الانفراد الأمريكي الكامل بمصائر هؤلاء الأسرى الذين يتبعون إلى دول عديدة.
لماذا لا تعتبرهم أمريكا أسرى حرب؟
لأن أمريكا تدرك أن ذلك سيقيدها كثيرًا وهي تريد أن تطلق يدها في (حربها ضد الإرهاب) ... لو أنها اعترفت بهم أسرى حرب سيتوجب عليها أن تعاملهم وفق ميثاق جنيف الذي يضمن لهم المعاملة الإنسانية الكاملة ... والواقع أنها في غوانتانامو تعامهلم معاملة سيئة ـ وإن لم يتم تعذيبهم ـ ولكن وضعهم في أقفاص مكشوفة (من السلك الشائك) وتسلط مصابيح وكشافات مضيئة طيلة ساعات اليوم يجعلهم عرضة لكل تقلبات الطقس من شمس قاسية أو برد قارس أو أمطار مغرقة كما أن الإضاءة المتواصلة تحرمهم تمامـًا من النوم ... فكيف تدعي واشنطن أنها تعاملهم معاملة كريمة ... كل ذلك وهم في الأغلال والسلاسل ...؟
كما أن أمريكا لو اعترفت بهم أسرى حرب، فإن ذلك سيقيدها كذلك بإيجاد رقابة دولية ممثلة في الصليب الأحمر وهيئات قانونية وعدلية دولية أخرى ... ولكنها الآن تتصرف وكأنها الوحيدة في هذا العالم!! ولو اعترفت كذلك بهم أسرى حرب فإن ميثاق جنيف يسمح لأسير الحرب بألا يعطي معلومات أخرى غير اسمه ورتبته ورقمه المتسلسل ... ولكن أمريكا بالتأكيد لا تكتفي فقط بهذه المعلومات وحدها إنها تريد أن تبني جبالاً من المعلومات عن تنظيم القاعدة وهو يتوعد وجودها على الأرض ... وهي كذلك وعدت شعبها بأن تقضي تمامـًا على هذا التنظيم، وهي في حالة «هوس» معلوماتي ولن تتقيد بميثاق جنيف الذي كذلك ينص على وجوب محاكمة أسرى الحرب في محكمة عادلة تتوفر فيها استقلالية تامة ولا تنحاز إلى أيّ من أطراف الحرب ... فهل ستفعل واشنطن ذلك ...؟
لقد كونت الإدارة الأمريكية محاكم عسكرية بالفعل لتبدأ في محاكمات الأسرى في الوقت المناسب ... ولكن هل سيصمت العالم على هذه الإجراءات؟ أم سيغيّب عن الأحداث مثلما هو الحال الآن وهم في الأسر ...؟ وسبب آخر يمنع واشنطن من أن تعترف بأن هؤلاء الأسرى هم أسرى حرب ... وهو أنه بموجب ميثاق جنيف يحق لأسرى الحرب أن يسلموا إلى بلدانهم في حال إثبات أنهم لم يرتكبوا جرائم دولية ... ولكن أمريكا التي انفردت بالسيطرة على مجريات الأحداث منذ بدايتها، لا يتوقع منها أن تتنازل طواعية عن نهاياتها ... لا يمكن أن تتمكن من القبض عليهم وهي في أوج سطوتها ثم ترسلهم إلى بلدانهم ...
ولكن السؤال هو: لماذا هذا الصمت الدولي الغريب ...؟
لقد عرفت المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة الموقعة في 12 آب/أغسطس 1949م على أن الأسير هو غير السجين ... فهو كل شخص ينتمي إلى أي فئة مقاتلة، سواء كانت رسمية أو غير رسمية ـ كالمتطوعين والميلشيات ـ ما دام قد اعتقل في ميدان الحرب وأثناء الصراع المسلح ... أمّا المادة الخامسة فهي توجب أن يعامل هذا الشخص بمعاملة الأسير إن كانت هناك شكوك في وضعه ووصفه حتى تفصل محكمة مستقلة في ذلك ... إذًا فإن الأحوال كلها مفصلة في اتفاقية جنيف حول أسرى الحرب ... ولكن تركلها أمريكا برجلها ولا أحد يقول لا ...؟! صحيح أن الصليب الأحمر على لسان الناطق باسمه (كيم غوردن) قد قال إنه لا يمكن أن يوضع أحد خارج القانون ـ ولا يمكن ملاحقة أحد خارج القانون ... إذا كان أحدهم ليس أسير حرب فإنه يستفيد على الأقل من أحد بنود المعاهدة التي تنص على احترام الضمانات القضائية المطابقة للمعايير الدولية» صحيح أنه قال ذلك ردًا على البيت الأبيض الأمريكي الذي لم يعتبر جيش طالبان جيشـًا نظاميـًا وأن جماعة القاعدة هم جماعة خارج القانون ... ولكن أمريكا لا ترى في اتفاقية جنيف ألا (اتفاقية خارج الزمن) باعتبار أنها وضعت لتصحيح الأوضاع القانونية في أعقاب الحرب العالمية الثانية ... ولكن أجهل طالب قانون يعلم أنه يتوجب سريانها إلى حين إلغائها أو استبدالها!!
موقف الدول العربية والإسلامية
من غير الحديث عن اتصالات يمنية وسعودية للاشتراك في التحقيق مع الأسرى الذين يتبعون لها، فإن غيابـًا كاملاً يحول دون إرساء مبدأ القانون مع هؤلاء الأسرى الذين معظمهم من البلاد العربية والإسلامية ... ففي الحالة التي لم يعتبروا فيها أسرى حرب ... ولم تفصل في صفتهم محكمة مستقلة ... فإن من باب أدنى الواجبات كان يمكن لكل الدول أن تدخل على خط (الاطلاع) والتحقيق وفرز الأبرياء من بين هؤلاء ... وربما كلهم أبرياء (إذا كانت الجرائم هي جرائم 11 سبتمبر) ... وتعزيزًا للانفراد بمصائر هؤلاء الأسرى استبعدت أمريكا حال المواطن الأمريكي (جون ووكر) والذي ينطبق عليه كل ما ينطبق على أسرى القاعدة ... ولكن خوفـًا من تأليب الرأي العام وتأجيجه، نقل إلى داخل الولايات المتحدة ليحاكم بالداخل بتهم لا تصل عقوبتها إلى الإعدام!! وما يوضح الازدواجية في التعامل هو التحرك البريطاني الذي عمل على الحيلولة دون معاملة البريطانيين من الأسرى كالبقية الباقية التي أصبحت وكأن لا أحد يدافع عنها ... وهذا الذي يحدث يذكر تمامـًا بما حدث في قلعة جانجي حينما قصفت الــ ب 52 كل الأسرى الذين تحصنوا بالقلعة وقادوا تمردًا من داخلها على السجانين ... أبادتهم الطائرات الأمريكية وإلى الآن تمضي القضية إلى عالم النسيان وكأن أولئك كانوا حشرات فأبيدت!!