أميركا تحتجز القانون الدولي في جوانتانامو

13 رجب 1423هـ

قبل عام مضى، كانت قاعدة غوانتانامو التي أنشئت قبل قرن من الزمان والتي تعد أكبر قاعدة امريكية في الخارج والأولى من نوعها في دولة شيوعية، تحظى بقدر ضئيل من الاهتمام من قبل البحرية الأمريكية نظراً لأنها استنفدت جدواها كمركز لاعادة تزويد السفن بالوقود ومكان توقف مؤقت للاجئين الهاربين.
وشهد ذلك الوضع للقاعدة تحولاً جذرياً خلال الأشهر التسعة الأخيرة مع اعلان وزير الدفاع الامريكي دونالد رامسفيلد بأن ذلك الموقع يشكل أسوأ مكان لإيواء سجناء حرب افغانستان، حيث دبت الحياة في غوانتانامو تحت حرارة شمس الكاريبي القاسية، وذلك في ارض جافة تغطيها شجيرات متفرقة وتقطنها حيوانات الاغوانة والسرطان البري.
تعكس قاعدة غوانتانامو حالياً كل العلامات التي تجعلها مستعمرة عقابية دائمة لضحايا الحملة على الإرهاب وصلت الى القاعدة اول دفعة تضم عشرين من السجناء في اليوم الحادي عشر من سبتمبر، غير ان عددهم قفز حالياً الى 598فرداً من 43دولة.
ويجري العمل حالياً في بناء 204زنزانات أخرى، وبذلك سيصل اجمالي عدد السجناء الى 816فرداً في شهر اكتوبر، أي حوالي نصف العدد المستهدف البالغ 2000سجين.
بلغ عدد الجنود المتواجدين في القاعدة , 1500فرد في شهر يناير، غير ان هذا الرقم ارتفع الى 4000جندي حالياً. وقد بدأ الجنود الذين يتولون مراقبة السجن في اصدار صحيفة يومية خاصة بهم. وفي دلالة هي الأقوى لمستوى الأداء في القاعدة، يتم حالياً تجهيز أكواخ الحراس بخدمات المياه والصرف الصحي.
يقول الكابتن روبرت بوين رئيس التجربة والقائد العام للقاعدة، انهم يتخذون الترتيبات اللازمة لسنوات وليس لأشهر، مشيراً الى انه قام بإعداد ميزانية السجن حتى عام 2005م غير انه يتوقع ادراج متطلبات السجن في اطار خطته العشرينية.
وفي سياق كافة الترتيبات المتعلقة بالتخطيط، يبدو ان لا احد يعرف ما الذي سيتم تنفيذه تجاه السجناء.
يقول سكوت سيليمان المدير التنفيذي للمركز الخاص بالقانون والأخلاقيات والامن الوطني في كلية القانون بجامعة لاو، ان هؤلاء السجناء هم اسرى الحرب المنسيون. وعندما تم التأكيد للكونغرس بأن هؤلاء السجناء يحظون بمعاملة انسانية، فإنهم اصبحوا بعيدين عن الأنظار، كما يقول سكوت الذي اوضح قائلاً ان هؤلاء السجناء هم خارج الحدود الأمريكية وخارج إطار النظام القضائي الامريكي.
يقول سكوت "ان اهمية هؤلاء السجناء لا تنشأ عن ماهيتهم وكيفية التعامل معهم او مدى بشاعة سلوكهم، بل تكمن فيما يمثلونه بالنسبة للقانون الدولي".
لقد اعترضت ادارة الرئيس بوش على منح هؤلاء الاسرى وضع سجناء الحرب، بل وصفتهم بأنهم مقاتلون اعداء كما انها، أي الادارة، على قناعة بأن القانون يجيز احتجاز مثل هؤلاء الأعداء حتى انتهاء الأعمال العدائية حتى يتسنى الحيلولة دون عودتهم الى ميدان المعركة. ويمكن تحديد نهاية الاعمال العدائية في هذه الحالة على انها نهاية الحملة على الارهاب، الأمر يمكن ان يعني تنفيذ الاحتجاز دون توجيه التهم او الاستعانة بالمحامين لمدة تصل الى سنوات. لقد ساهم ذلك في إثارة جماعات حقوق الانسان فضلاً عن إثارة الانتقادات العامة من الجمعية الدولية للصليب الأحمر والتي تقوم عادة بعمل شكاويها على نحو خاص.
وفي تقرير حديث، أشارت لجنة المحامين الخاصة بحقوق الانسان، الى ان الادارة الأمريكية ظلت تستخدم عبارة "المقاتلين الخارجين عن القانون"، وهي عبارة لا توجد في القانون الدولي، وذلك كنوع من العصا السحرية تحركها لتفادي المعايير الراسخة للقانونين الأمريكي والدولي كليهما.يقول المنتقدون لهذا التوجه الأمريكي بأن الولايات المتحدة تقوم باختيار العناصر التي تريد تطبيقها وتلك التي تريد تجاهلها من معاهدة جنيف، فضلاً عن كونها تتجاهل عنصراً جوهرياً بعدم عقد جلسات استماع فردية لتحديد وضع كل سجين.

يقول هؤلاء المنتقدون، ان ذلك يشكل جزءاً من نمط اكبر من قيام امريكا بتحدي المجتمع الدولي كما فعلت ادارة بوش في تأكيد حق توجيه ضربة للعراق بصورة أحادية واصرارها على الا يخضع الأمريكيون للمساءلة أمام محكمة الجنايات الدولية الجديدة في لاهاي، فضلاً عن الازدراء بمعاهدة دولية حول المناخ العالمي.
ويمكن ان تتزايد حدة هذا التوجه الامريكي في ظل قيام الادارة الأمريكية بإخضاع سجناء القاعدة لمحاكمات عسكرية متجاوزة بذلك اعتراضات العديد من دول التحالف التي تعارض عقوبة الإعدام.
يقول المسؤولون بأن خبراء الادارة الأمريكية، وبعد مضي عام عاصف من الخلافات حول الحالات الجديدة ذات الصلة بالإرهاب والمرتبطة بجون ووكر ليند وزكريا موسوي وياسر عرفات، اصبحوا يصبون تركيزهم على محاكمات سجناء غوانتانامو وإقامة المحاكمات في القاعدة خارج نطاق سلطة المحاكم الامريكية (لقد نجحت الادارة الأمريكية في طرح حجج بأن المحاكم الفيدرالية ليست لديها سلطة في غوانتانامو نظراً لأنها تقع تحت السيادة الكوبية، حيث تقوم الولايات المتحدة باستئجار القاعدة البحرية من كوبا مقابل 4000دولار سنوياً على الرغم من رفض الرئيس فيدل كاسترو صرف الشيكات نظراً لاعتراضه على شرعية ذلك الترتيب).
يقول خبراء القانون ان عملية التحضير للمحاكمات ستكون مضنية بدرجة انها قد تستغرق عدة اشهر قبل البدء في أي منها.
وقالت روث ودعوود، الخبيرة في القانون الدولي في كلية القانون بجامعة بال والمقربة من الادارة الامريكية، بأنه سيتم استغراق وقت طويل لتأمين الأشخاص الملائمين فيما يتعلق بجانبي الادعاء والمتهمين.
وتؤكد روث على ضرورة اختيار الأشخاص الملائمين فيما يتعلق بالمدعى والقاضي فضلاً عن التفكير في مرحلة تحضير المهام اللوجستية لإجراء المحاكم والقيام بالمهمة الأكثر صعوبة والمتمثلة في تصنيف الأدلة المتاحة وتحديد الحالات التي تعد جنائية لدرجة أكبر، والتفكير في الأدلة التي يمكن الإعلان عنه حيث لا يتعين اجراء جلسات مغلقة وجعل المحاكمات سرية.يقول سيليمان انه اصبح يشك مع مرور المزيد من الوقت، في امكانية ابراز عمل هذه الأدلة ولاسيما ضد العديد من السجناء في القاعدة والذين يُعتقد بأنهم جنود مشاة تابعون للإرهابيين ويجهلون الاساليب الاستخباراتية المفيدة.ويتوقع سيليمان بأن الضغوط الدولية سوف تتوالى على الولايات المتحدة لاطلاق سراح بعض السجناء الى دولهم، وهي ضغوط يمكن ان تصبح أكثر حدة في ظل سعي الولايات المتحدة للمحافظة على تحالفها في سياق الحملة على الإرهاب.
لقد قامت وفود من العديد من هذه الدول بزيارة غوانتامو للتأكد من معاملة مواطنيهم بصورة انسانية ولإجراء مباحثات حول اطلاق سراحهم. ويشير المسؤولون في القاعدة الى ان بعض الوفود شاركت في استجوابات مواطنيهم وهي عملية ترى اللجنة الدائمة للاستخبارات بالبرلمان بأنها لا تسير على النحو المطلوب. وأشارت اللجنة في سياق طلب ميزانيتها للعام القادم، الى ان جهود الاستجوابات في غوانتانامو قد واجهت معوقات بسبب الافتقار الى التدريب السليم ومشكلات اللغة فضلاً عن الافتقار الى الخبرات التحليلية الواسعة.
قال خالد العودة، والد سجين من الكويت، في مقابلة هاتفية بأن المسؤولين الأمريكيين اخطروا نظراءهم الكويتيين الذين قاموا بزيارة القاعدة بعدم وجود دليل يربط بين ابنه وعدد من السجناء الكويتيين بالجرائم وانهم سوف يوضعون على قائمة الذين سيتم اطلاق سراحهم. ولم يتسن التأكيد على افادات العودة مع المسؤولين الأمريكيين في القاعدة. وقد أكدت عائلات سجناء آخرين من دول أخرى براءة أبنائهم، الا انه لم ترد تأكيدات من الأمريكيين.
لقد غادر القاعدة سجينان فقط من اولئك الذين تم اقتيادهم الى غوانتانامو احدهما هو حمدي الذي اكتشف بأنه مولود في الولايات المتحدة، حيث يوجد الآن في سجن البحرية في نورفولك في فيرجينيا. اما السجين الآخر فهو أفغاني خضع لتشخيص كشف معاناته من انفصام الشخصية، وبالتالي تمت اعادته الى بلاده حيث يقال انه يخضع للعلاج في مستشفى للأمراض العقلية.
يشير المسؤولون في القاعدة الى معاناة السجناء من مشكلات نفسية كبيرة، حيث بذل اربعة منهم جهوداً كبيرة لوضع حد لحياتهم خلال الصيف الحالي، وذلك بربط شراشف اسرتهم مع زنزاناتهم والسعي لشنق انفسهم. وقام سجناء آخرون بمحاولات أقل خطورة باستخدام الأواني البلاستيكية فيما قام آخرون بضرب رؤوسهم على الجدران.ويتناول العديد من السجناء أقراص العلاج من الاكتئاب كما يوجد 80من السجناء حالياً في الحبس الانفرادي.
وقد خضع سجينان فقط للعلاج في المستشفى حيث يعانيان من التشوهات، مما يشير الى ان اكثر القضايا إلحاحاً تعد سلوكية ونفسية.وينطبق ذلك ايضاً على الحراس، حيث يدرك رؤساؤهم تماماً بأن العمل في القاعدة مسبب للإجهاد في حد ذاته.. فقد ذكّرت صحيفة القاعدة قراءها خلال الاسبوع الجاري بأن "سبتمبر هو شهر منع الانتحار" كما اشارت الى ان "الانتحار هو السبب الرئيسي الثاني للموت في الجيش بعد الحوادث".يقول الكابتن البيرت شمكس، والذي يشرف على المستشفى في القاعدة، ان 57من السجناء خضعوا للعلاج من المشكلات العقلية. واضاف يقول ان العدد من السجناء حاولوا إلحاق الأذى بأنفسهم كوسيلة لجذب الانتباه نحوهم ولجأ البعض الى خدش انفسهم، فيما هدد احدهم ببلع لسانه، الأمر الذي يتعذر تحقيقه، غير انه جذب الانتباه نحوه.يقول البيرت أنهم بدأوا في استيعاب ما يجري في بيئتهم مشيراً الى ان الحواجز اللعفرية لازالت كبيرة غير ان افراد فريق الصحة العقلية والذين يعالجون الحراس ايضاً، اصبحوا اكثر فاعلية في التعامل مع المشكلات النفسية للسجناء. و اوضح الكابتن البيرت قائلاً ان المشكلات النفسية للسجناء سوف تتفاقم في ظل عدم وضوح مصيرهم.لقد أشار حتى السيد/ رامسفيلد الى احتمال ان يكون بعض السجناء ضحايا الظروف من حيث القاء القبض عليهم في المكان والوقت غير الملائمين.وفي غياب جلسات الاستماع الفردية لتحديد اوضاع السجناء وفي غياب التهم والمحاكمات، يرى المنتقدون غوانتانامو على انها مرادفة لانتهاكات حقوق الانسان. وحيث لا توجد هناك مؤشرات للتعذيب الجسدي فضلاً عن السماح للسجناء لممارسة شعائرهم الدينية واطلاق لحاهم مرة اخرى وإعداد وجباتهم وفق عاداتهم، الا انهم لا يزالون يفتقرون الى الحقوق القانونية الاساسية التي تتفق العديد من الدول، بما فيها امريكا، على انها اساسية حتى للمقاتلين.
وقد اعترض الكابتن بوش على ذلك التصوير لاوضاع السجناء في القاعدة مشيراً الى انه فخور بتطور المجتمع في القاعدة. وأضاف يقول انه لا يرغب في النظر الى "القاعدة البحرية الامريكية في غوانتانامو على انها جائرة ووحشية وانتهاك لحقوق الإنسان" زاعماً ان ذلك لا يمثل ما يجري في القاعدة.
وقد انتهز الجنرال ريك باكوس الذي يتولى قيادة مركز الاحتجاز، فرصة ذكرى الحادي عشر من سبتمبر لكي يرد على الانتقادات، حيث قال: "في الوقت الذي يجري فيه نقاش عام حول الجوانب الفنية بشأن كيفية تصنيف هؤلاء الاشخاص، فإننا سوف نستمر في اتباع تقاليد المعاملة الانسانية". واضاف يقول ان "هؤلاء المحتجزين لأصبحوا في خبر كان في دول أخرى".

(خدمة نيويورك تايمز خاص بصحيفة "الرياض" السعودية)