من (غوانتنامو) الكبير إلى (غوانتنامو) الصغير

خطاب إلى الأبطال في الأسر ....... 
إلى الأبطال الكبار.....إلى الأحرار خلف الأسوار...
   
    إليكم وقد تناءت الديار ، وشط المزار ، وانقطعت الأخبار ، وحالت دونكم الفيافي والقفار ، وامتدت البراري والبحار، فتشمتت الكفار والأشرار ، وخذلكم من خذلكم من الفضلاء والأخيار!! .
        إليكم أيها الأسود في القيود ، يا من ضربتم أروع أمثلة الثبات والصمود.
        إليكم أيها الرجال ، أيها المجاهدون الأبطال ، يا من صنعتم ببطولاتكم في القتال والنزال ، حقائق أروع من المثال ، وأعظم من الخيال .
        إليكم يا أسرانا في غوانتنامو ، نحييكم تحية الإجلال والإكبار ، يا من رفضتم خيار الذل والعار ، وآثرتم الإسار على الفرار ، مرددين بلسان حالكم قول الفارس الشاعر بعدما أسرته الروم :
        أسرت وماصحبي بعزل لدى الوغى ----- ولا فرسي مُهر ، ولا ربه غمر
        ولكن إذا حُمّ القضاء على امرئ ----- فليس له بر يقيه ولا بحر
        وقال أصيحابي الفرار أو الردى ----- فقلت هما أمران أحلاهم مر
        ولكنني أمضي لما لا يعيبني ----- وحسبك من أمرين خيرهما الأسر!!
        يقولون لي بعت السلامة بالردى ---- فقلت أما والله ما نالني خسر
        وهل يتجافى عني الموت ساعة ---- إذا ما تجافى عني الأسر والضر ؟
        هو الموت فاختر ما على لك ذكره---- إذا ما تجافى عني الأسر والضر ؟
        ولا خير في دفع الردى بمذلة ---- كما ردها يوماً بسوءته عمرو

       
تذكروا وانتم تدفعون ضريبة العزة ، وفاتورة الكرامة ، دماً ومعاناة وألماً ، تذكروا قول الله عز وجل وهو يخاطب الفئة المؤمنة بعد ما أصابها من جرح وقرح يوم أحد فقال ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين).
(ولاتهنوا) ولاتضعفوا أمام أعدائكم وجلاديكم ، مهما كانت وطأة الأسر ، وشدة القهر ، ومهما كانت وحشية الطغيان ، وقسوة السجان ، ومهما شعرتم به من خذلان الأوطان ، وجفاء بعض الإخوان!!.
وتذكروا أن معظم الناس هم كما قال الشاعر:
            بمن يثق الإنسان فيمن ينوبه ------- ومن أين للحر الكريم صحاب ؟
            وقد صار هذا الناس إلا أقلهم ------ذئاباً على أجسادهن ثياب !!
(ولاتحزنوا)  مهما عظم المصاب ، وحكمتكم قوانين الوحوش والغاب ، والظفر والناب ، وتسلطت على الأسود الكلاب ، فلا تنشغلوا بالعتاب ، واشكو لله رب الأرباب!!.
            إلى الله أشكوا أننا بمنازل ------ تحكم في آسادهن كلاب!!
(ولاتحزنوا) مهما عظم المصاب ، وحكمتكم قوانين الوحوش والغاب ، والظفر والناب ، وتسلطت على الأسود الكلاب ، فلا تنشغلوا بالعتاب ، واشكو لله رب الأرباب!!.
        فلا عجب للأسد إن ظفرت بها ------ كلاب الأعادي من فصيح وأعجم!
        فحربة وحشي سقت حمزة الردى ---- وموت علي من حسام بن ملجم
(وانتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)  فأنتم الأقوياء في حقكم ، ولو كنتم عزلا مجردين من كل سلاح مادي ، وأعداؤكم هم الضعفاء في باطلهم ، مهما كان بحوزتهم من قوة مادية وسلطان أرضي!! .
        فأنتم الأعلون بإيمانكم الصادق ، وعقيدتكم الراسخة ، وهم الأدنون الأذلون مهما تبجحوا بباطلهم وتسلحوا ، أنتم الأقوياء الشرفاء ، وهم الضعفاء الحقراء الذين تحطمت كل قواهم الأرضية على صلابة إيمانك وقوة عقيدتكم .
        إن المؤمن هو الأعلى دائما ، والأعز في كل حين ، حتى وهو يعاني الأسر ، ويكابد القهر (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لايعلمون).
        فالقوة الطغيانية مهما تجبرت وتكبرت ، تبقى عاجزة عن السيطرة علي الضمائر والسرائر ، إذا كانت عامرة بالإيمان ، مستنيرة بالقرآن.
        وهذا سر صمود أصحاب الإيمان في كل زمان ومكان ؛ فهو سر صمود أصحاب الأخدود وهم يتقحمون في النار التي أوقدها لهم الكفار فرحين مستبشرين ، حتى إذا ماترددت منهم امرأة كانت تحمل رضيعها ، نطق الطفل وكلمها في المهد قائلا : أدخلي يا أماه فإنك على الحق!!.
        وهو سر صمود بلال رضي الله عنه تحت سياط الجلد ، والحجارة المحماة التي كانت توضع على صدره في بطحاء مكة الحارقة ، فكان يطفئ ذلك اللهيب ببرد ( أحد ..أحد!!).
        وهكذا شأن حملة الرسالة , وقادة الدعوة ، وأصحاب الحق في كل زمان ومكان ، فشيخ الأسلام ابن تيمية رحمه الله كان يقول أثناء محنته وما عاناه وكابده على يد أعدائه : ماذا يفعل أعدائي بي ؟ إن سجنوني فسجني خلوة ، وإن نفوني فنفيي سياحة ، وإن قتلوني فقتلي شهادة!!.
        وكان عندما يغلق عليه باب السجن يتمثل بقول الله عز وجل: ( فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب).
        والأستاذ سيد قطب رحمه الله كان ينادي بهذه الحقيقة الإيمانية العظيمة ، يستحث بها الهمم ، ويوقظ العزائم ، فصاغها نشيدا يتردد على ألسنة المؤمنين القابعين في سجون الطغاة والظالمين:
                أخي أنت حر وراء السدود ---- أخي أنت حر بتلك القيود
                إذا كنت بالله مستعصماً ----- فماذا يضيرك كيد العبيد
        أيها الأبطال الأحرار لاتؤاخذوا أمتكم بذنب أنها لم تسع في فكاك أسركم ، ولم تبذل النفس والنفيس من أجل إطلاق سراحكم ، حتى تعودوا مكرمين لبلادكم وذويكم ، تخلع عليكم خلع التكريم ، وتمنحون أوسمة الشرف التي تليق بأبطال مثلكم دفعوا مادفعوا من ألم حسي ونفسي ، وتحملوا ما تحملوا ، وعانوا ماعانوا ، وقدموا ماقدموا من تضحية وبذل في الذود عن كرامة الأمة ، والدفاع عن شرفها ، والقتال دون حرماتها!! .
        لاتتهموا أمتكم بموت الضمير ، ولا بفقدان الشعور ، ولابأنها لم تعد عندها بقية من رحمة إنسانية ، أو حمية وطنية ، أونخوة- ولو جاهلية- عندما لم تحركها أنات أمهاتكم المكلومة ، ولا دموع ذريتكم المفجوعة ، ولا آهات زوجاتكم المظلومة!! .
        ولاتقولوا كان بإمكانها إن لم تكن معنا ، أن لا تكون ضدنا ، فلا تساهم في الحملة الكفرية ضدنا ، ولاتسلم من وجدته منا لأعدائنا على الأقل !!! .
        ولا تقولوا كان بإمكانها إن لم تعاملنا معاملة المجاهدين المكرمين ، أن تطالب بأن نعطى ولو بعض حقوق المجرمين!! .
        ولا تقولوا كان بإمكانها أن لاتكون أسوأ موقفاً من بعض المنظمات الصليبية التي لم تستطع أمام فظاعة مأساتنا إلا أن ترفع صوتها في وجه الوحشية الامريكية التي نعامل بها!! .
        لا تقولوا شيئا من ذلك أبدا ، ولا تؤاخذوا أمتكم بشيء من ذلك !! ؛ لأن أمتكم في حالة تستحق عليها من الشفقة والرثاء ، أكثر مما تستطيع تحمله من المؤاخذة والعتاب!! .
        إن أمتكم في حالة اختطاف وقهر ، ووضع اعتقال واسر ، هو أسوأ بكثير من الوضع الذي أنتم فيه في (غوانتنامو)!! فحالكم في (غوانتنامو ) الصغير أحسن ألف مرة من حالها في (غوانتنامو ) الكبير!! .
        فأنتم رغم كل المعاناة ، تُذِلون بصمودكم سجانيكم كل يوم ، وتستعلون بإيمانكم على أعدائكم كل ساعة، وتفرضون عليهم بذلك احترامكم وتقديركم في قرارة أنفسهم ، ويدفعون ثمن أسركم كل يوم ، ويحسبون لكم ألف حساب وحساب .
        أما حكام هذه الأمة المأسورة المقهورة ، و بعض المسلمين من أصحاب الفطر المنكوسة ، فهم يقبلون الأيدي التي تصفعهم كل صباح ، ويمسحون الأحذية التي تدوسهمم كل مساء ، وينفقون بسخاء على سجانيهم وجلاديهم ، بعد أن تطوعوا هم ببنا ء السجن الذي يقبعون فيه ، وبناء وتوسعة القواعد العسكرية التي تحمي (غوانتنامو) الكبير هذا !! .
        وهم يعتبرون وجودهم في هذا لسجن الكبير نعمة من سيد السجن ، ومنة من السجان الذي سمح لهم بدخوله ، والاقامة فيه ، والتمتع بالحماية التي يحصل عليها نزلاء هذا السجن!!.
                ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ---- وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم !!
        إن من الإجحاف بمن هذه حاله في الأسر والقهرالاختياري ، أن يطالب بتحرير غيره في الأسر الإجباري !.
        ولا تستغربوا من هذه الحقائق المؤلمة !! ولا تقولوا كيف يكون هنالك سجن اختياري يرفض السجناء والخروج منه ، ويدفعون كل غال ونفيس حتى لا يخرجهم السجان منه؟ .
        إن النفوس الذليلة ، والهمم العليلة ، عندما تتعود على الذل والمهانة ، وتألف الاستخذاء والحقارة ، تنتكس فطرتها، فيصبح عندها نفور من كل ما لم تألفه من معاني العزة والكرامة ، والقيادة والإمامة، والنخوة والشهامة!!.
        فهي لاتقبل بالحرية والسيادة ، ولا بالريادة والقيادة ، ولو قُدّمت لها دون أي بذل أو تضحية ، فضلا عن أن تسعى لها بما تستحق من بذل وعطاء ، وتضحية وفداء!! .
        ومثال هذا الحيوانات الداجنة التى ألفت أن تكون تحت تسخير الإنسان مثل الدجاج ، فلو حاول الأنسان طردها لتعيش حرة طليقة في البراري مع أخواتها البرية لما قبلت ذلك ، ولو قبلت لماتت من الجوع العطش ، لأنها لم تعرف حياة الحرية والاستقلال!! .
        وكذالك الخفافيش التي تعودت على الحياة في الظلام ، فإنها تعمى عند رؤيتها للضوء!! .
        وهذا المعني هو الذي أشار إليه الشاعر أبو الطيب المتنبي بقوله:
                    من يهن يسهل الهوان عليه ---- ما لجرح بميت إيلام!!
        أنتم أيها الصامدون في (غوانتنامو) الصغير ، أنتم الذين ستحررون الأمة من ( غوانتنامو) الكبير ، وتعيدون لها ماضيعت من كرامتها ، وفرطت فيه من عزتها!! .
        أنتم والصادقون من أبناء هذه الأمة الأوفياء ، ومن إخوانكم الذين لن يقر لهم قرار حتى يخرجوكم من الأسر بقوة السيف وعون القهار ، أنتم الذين – بعد توفيق الله – ستتحرر بكم الأمة من الأسر ، وينجبر بكم الكسر ويزول بكم القهر .
        ولكن بعدما يتحقق ما أراد لكم الله من خير في محنتكم هذه ، وكم من منحة إلهية جاءت في صورة محنة!!  (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون) .

نقلاً عن / مركز الدراسات والبحوث الإسلامية 1423/5/25هـ