ممارسات أمريكا ضد أسرى المسلمين
لقد سمع العالم عبر الإذاعات وشاهد عبر الفضائيات وقرأ من خلال الصحف ما يجري لمجموعات من الشباب المسلم الذين أسرتهم واختطفتهم الولايات المتحدة الأمريكية بذلك الأسلوب الهمجي الذي استهانت فيه بكل الشرائع السماوية والأعراف البشرية والقوانين الدولية. وإنه من المؤسف جدا أن يبقى العالم يتفرج على هذه الانتهاكات البشعة لحقوق الإنسان، وينسى هذا العالم كل قراراته وقوانينه وأعرافه في هذا المجال بحيث أصبح الإنسان خاصة المسلم لا قيمة له في نظر الإدارة الأمريكية الحالية.
إن الأساليب التي مارستها أمريكا مع هؤلاء الأسرى والمخطوفين من وضع السلاسل الحديدية بالأيدي والأرجل والتخدير والاستهانة بشعائرهم الدينية عندما حلقوا لحاهم وأساليب أخرى من التعذيب الجسدي والنفسي والتي سمعها العالم وشاهدها عبر وسائل الإعلام لا تليق حتى بالحيوانات ولا تستعمل إلا مع الوحوش في الغابات عند محاولة اصطيادها.
إنه لم يعد خافيا أن ما يجري مع هؤلاء الأسرى والمخطوفين يقصد به إذلال الشعوب عامة والإسلامية، خاصة وأن ممارسات بهذه الصورة لا يمكن أن تفهم إلا أن المقصود إهانة أكثر من مليار وثلث المليار من المسلمين، وإلا كيف يفسر مثل هذا التعامل الوحشي حتى مع مواطني أهم حليف لأمريكا وهي بريطانيا لا لشيء إلا لأنهم مسلمون.
كيف تستطيع أمريكا بعد اليوم أن تعتبر نفسها دولة حضارة أو داعية قيم وكيف يواجه الشعب الأمريكي الذي يتحمل -ولو بشكل غير مباشر- مسؤولية تصرفات حكومته، كيف يواجهون شعوب العالم بعد هذا السقوط الأخلاقي المروع؟
إن ما جرى في أفغانستان من تقتيل للأبرياء وفتك بالضعفاء وقتل للأسرى وصمة عار في جبين الدولة والمجتمع والحضارة التي أنتجت مثل هذه السلوك الذي لا ينتمي إلا لسلوك القرون الوسطى في التاريخ الأوربي.
وإنه لمن العجيب أن يقف أحد أعمدة الإدارة الأمريكية وهو وزير الدفاع دونالد رامسفيلد أمام أجهزة الإعلام بكل جرأة يعطي تعليمات لجنوده بأنه لا يريد أسرى وإنما القتل والدمار، وأن يصرح بكل عنجهية أن قتل المدنيين لا بد منه لحرب الإرهاب، وأن يبخل حتى بالأسر الوحشي على أسرى ومخطوفي جوانتانامو عندما صرح أمام العالم بأنهم لا يستحقون الأسر وإنما حقهم القتل.
لقد وفى الرئيس بوش ما وعد به عندما قال في بداية الأحداث إنها حرب قذرة، لقد فهمنا معنى هذا القول الآن. وأي قذارة هي هذه الحرب؟!
إنها قتل للإنسان في ظلام، فكم قتل من بريء، وكم شرد من مسالم، وكم أعيق من إنسان، وكم أبيد من أسير، وكم اختطف من شخص لا علاقة له بكل ما حدث ويحدث في ظل تعتيم إعلامي رهيب، وكم جمد من أرصدة إغاثية ليتامى وأرامل تركتهم أمريكا يتضورون جوعا، كل ذلك بحجة واهية هي حرب الإرهاب.
لقد تحولت أمريكا إلى دولة إرهابية بحق في سلوكها مع هؤلاء الأسرى والمخطوفين وتحولت إلى دولة إرهابية بتقتيلها الأبرياء في أفغانستان، وأمعنت في الإرهاب بدعمها لإرهابي دولي ومجرم حرب مثل شارون في فلسطين.
إن أمريكا التي صنفت العديد من دول العالم إلى دول راعية للإرهاب ودول مفرخة للإرهاب قد صنفت نفسها في نوع ثالث وهو: (( الممارس للإرهاب))، وهو أسوأ الأنواع الثلاثة.وإلا ما الذي يسوغ لأمريكا أن تعتقل المسلمين داخل أمريكا نفسها دون أي اتهام ودون أي محاكمات لا لسبب إلا لأنهم مسلمون. نعم إن الولايات المتحدة بإرهابها للعالم عموما وللعالم الإسلامي خصوصا مارست إرهاب الدولة المنظم على حساب القيم وأعراف العالم المتحضر التي تدعيها سابقا.
ألا يكفي دور أمريكا الإرهابي في مذبحة قلعة جانجي في مزار شريف بأفغانستان حيث قتلت الأسرى داخل سجنهم وهم مسلسلون بأغلالهم، بأن يصنف زعماؤها في قائمة مجرمي الحرب حسب القانون الدولي وحسب العرف الأمريكي نفسه؟
ما الفرق بين ما جرى في يوغسلافيا وفي راوندا بواسطة زعماء تلك البلدان التي سعت أمريكا بإقامة محاكم خاصة بهم كمجرمي حرب، وبين ما جرى في أفغانستان بواسطة أمريكا نفسها؟
لكنها المعايير المزدوجة والعنصرية الممقوتة التي جعلت الإدارة الأمريكية تتعامل بمنطق قوة وليس بقوة منطق.إن الولايات المتحدة الأمريكية تخطئ كل الخطأ إذا ظنت أن هذه الأساليب هي التي تعالج ما تسميه بالإرهاب، أو أن هذه الوسائل هي التي تبقيها متربعة على تاج القيادة العالمي.
يجب أن تفهم أمريكا أن معظم دول العالم –حكومات وشعوبا- حتى حلفاءها يفرحون بكل أذى ودمار يلحق بالولايات المتحدة الأمريكية لا رغبة في الإساءة إلى الشعب الأمريكي وإنما كرها في الإدارة الأمريكية الظالمة، هذا قبل الممارسات الأمريكية الأخيرة فما الحال بعدها؟
إن التحدي والقهر الذي تمارسه أمريكا هو الذي يغذي روح المقاومة والمواجهة عالميا، فكيف بالشعوب الإسلامية التي تقنعها الممارسات الأمريكية يوما بعد يوم بأنها مستهدفة لأنها مسلمة، وأن حضارتها مستهدفة لأن أمريكا أرادت إشعال الصراع الحضاري بين الإسلام والغرب.إنه لا يغني الرئيس الأمريكي أن يزور مسجدا في واشنطن أو أن يضع مأدبة إفطار رمضاني لعدد من المسلمين الرسميين، وهو الذي يقتل ويشرد المسلمين في أكثر من مكان، ويدعم مجرم الحرب شارون في فلسطين، ولا ينفع أمريكا أن تمنح الأسرى والمخطوفين مصحفا وسجادة صلاة وهي التي تحطم إنسانيتهم بأساليبها الوحشية معهم وتمارس ألوانا من التعذيب الجسدي والنفسي بهم.
إنه لمما يثير الاستغراب هذا الصمت العالمي على الإرهاب الأمريكي الذي سيؤدي إلى إشعال الصراعات في كل مكان، لأن المظلومين سيثورون –عاجلا أو آجلا-، فكيف إذا كانوا بعدد ثلث سكان الأرض؟ إن سياسة الإرهاب والعصا الغليظة الظالمة وإن نجحت عاجلا فهي فاشلة آجلا، بل هي مدمرة على المدى المتوسط والبعيد.
إن أمريكا تقود العالم إلى فتنة وشر مستطير، فأين عقلاء العالم؟ أين الذين يهمهم مستقبل البشرية؟ أين عقلاء أمريكا ومفكروها وسياسيوها المعتدلون؟ ألا يوجد من يكبح جماح الهائجين في واشنطن حفاظا على مستقبل العالم وأمريكا معهم؟
إننا نحن المسلمين دعاة عدل، نرفض الظلم حتى على غير المسلمين، ولسنا دعاة فتنة وإشعال حروب وأعمال عدوانية، هكذا أوصانا ربنا في كتابنا المقدس. ولذا، نحن نناشد كل المؤمنين بالقيم التي جاءت بها الشرائع السماوية وكل الذين ظلوا عقودا من الزمان ينظرّون ويوقعون على مبادئ حقوق الإنسان بالعمل على منع الولايات المتحدة من ظلمها للآخرين وإطلاق سراح الأسرى والمخطوفين والذين كان بعضهم –إن لم يكن كلهم- لا علاقة لهم في ما وقع من أحداث، وأن ترفع أساليب التعامل الهمجي الواقع عليهم وأن تحاكم من كان وراء هذه الممارسات الوحشية.
إننا ننصح الإدارة الأمريكية بأن تعيد النظر في أسلوب تعاملها مع العالم الإسلامي وهيئاته ومنظماته، والكف عن انتهاك أبسط حقوق الإنسان، وأن تعيد الأسرى الذين اختطفتهم إلى تلك الجزيرة النائية، لأننا نعتقد أن الذي رسم هذه السياسة وخطط لها أراد إشعال الصراع بين العالم الإسلامي وأمريكا؛ لأنه أراد إبقاء قضية مهينة للمسلمين كقضية الأسرى مستمرة وماثلة أمامهم كعنوان لإذلال أمريكا لهم وإهانتها لدينهم، وهو يعلم أن المسلمين لن يسكتوا على هذا الإذلال لهم والإهانة لدينهم ولو بعد حين.
إن الولايات المتحدة الأمريكية التي شاركت بفاعلية في صنع الحضارة المعاصرة وكان شعبها من أكثر الشعوب حيوية في ذلك ليستغرب منها أن تسلك سبل السقوط والإفلاس الحضاري الأخلاقي بهذه الصورة المفزعة من خلال ممارستها في هذه الأحداث. ولا نظن إلا أن اليهود الصهاينة الذين يسيطرون على قرارات الإدارة الأمريكية كانوا ممن يدفع بها إلى مثل ذلك، وإنهم يشجعونها على هذه الممارسات من أجل السعي في الأرض فسادا كما وصمتهم الكتب السماوية بذلك.
وأخيرا: نذكّر بأن مطالبتنا هذه هي للإدارة الأمريكية وللشعب الأمريكي قبل أن تكون للمسلمين ولبقية شعوب العالم في أن يعود صوت العقل وأن تعود الفكرة وتزول السكرة، إحقاقا للحق ونشرا للعدل ودفعا للظلم وإزالة للبغي والعدوان والفساد في الأرض، وحفاظا على مستقبل البشرية. قال الله تعالى: " قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ".
والسلام على من اتبع الهدى.