راعي البقر .. راعي حقوق الإنسان
كتب: علي الجفال
التاسعة مساء الخميس الماضي 10/1/2002 بتوقيت كابول.. حيث أقلعت طائرة الشحن العسكرية (س- 17) التابعة للمارينز وهي تحمل 20 رجلاً مقيدين بالسلاسل ووجوههم مغطاة، تتلوها طائرة أخرى تحمل 30 شخصاَ اضافيين، كأنهم وحوش بشرية وليسوا مقاتلين وقعوا أسرى في أيدي قوات معادية، مثلما يحدث في كل الحروب التي خاضتها البشرية والتي اكتسبت أهمية كبيرة لتكرارها في أجندة التاريخ الإنساني لتصل إلى حد اتفاق كوني حول كيفية التعامل معها عبر اتفاقيات جنيف الخاصة بأسرى الحرب..
تلك الوحوش البشرية ، خضعت لمنطق جديد في التاريخ المذكور والساعة المعينة، لتبدأ بهم صفحة جديدة من صفحات صراع الحضارات، فقد وجهت أمريكا (بوش) صفعة لحقوق الإنسان في بداية الألفية الثالثة للتاريخ البشري، وأقرت بممارساتها إزاء هؤلاء الرجال أنها إنما تزيح الغبار عن شخصية راعي البقر، بوجهه الملغوم بالقسوة وبتعامله الفظ مع الآخرين، والذي يقتل دون شفقة من مسدسه الذي لا تنفد رصاصاته..
عشرون رجلاً أسيراً، لا سلاح بأيديهم يخيف الأمريكان، تحرسهم حفنة من رجال المارينز المدججين بأسلحة صاعقة، يصعدون إلى طائرة النقل ومع كل منهم اثنان من الحرس المدربين خصيصاً لهذه المهمة.. هل هو رعب أم تهويل؟ إنهما الإثنان معاً..
الرعب الأمريكي المستند إلى حالة من فقدان الثقة بالنفس التي انتشرت إثر تفجيرات 11 أيلول/ سبتمبر الماضي والتي هزت صورة الرجل الأمريكي القادر على إبادة جيش كامل من الأعداء لأجل إنقاذ أسير من زملائه وهو تهويل أيضاً، لأن الإعلام الأمريكي الذي يعي الآن تماماً، أن هوامش الحروب الأمريكية أكثر أهمية من متونها، ولذا فإن النصر الذي حققه الجيش الأمريكي في أفغانستان ليس في الحقيقة إلا مناورات عسكرية بسيطة، كان الطيار الأمريكي فيها يقصف أهدافه من الجو فيما يشرب قنينة كوكاكولا.. أو ربما قنينة من البيرة، ومن أجل إضفاء أهمية على هذا النصر المجتزئ، فإن على ذلك الإعلام وبالتنسيق مع مراكز الدراسات الاستراتيجية ومراكز صنع القرار الأمريكي، أن يصنع عدداً أسطوريا، لا يمكن تحقيق النصر عليه بسهولة، وبما أن قوات الطالبان والقاعدة لا يمتلكون من الأسلحة إلا (خردواتها) التي أسقطتها جيوش المنطقة من الخدمة، لم يكن أمام ذلك الإعلام سوى الرجال الذين يجب أن يتحولوا أمام أنظار العالم إلى وحوش بشرية.. وهذا ما كان في مطار قندهار حيث بدأت رحلة الأسرى وصولاً إلى قاعدة غوانتانامو التابعة للبحرية الأمريكية في كوبا، والتي استغرقت زهاء العشرين ساعة.
رحلة نحو البداية
تفيد المعلومات التي سربتها الصحف الأمريكية والباكستانية إضافة إلى معلومات وردت في رسالة لمركز الدراسات والبحوث الإسلامية الموالي لطالبان، عبر البريد الالكتروني أن مجاميع الأسرى الصغيرة التي تم نقلها إلى قاعدة غوانتانامو هي من أصل 2000 أسيراً معظمهم من الأفغان العرب، إلاّ أن أياً من تلك المصادر لم يحدد أصول الأسرى ولم يعط معلومات عنهم بشكل دقيق باستنثاء رسالة مركز الدراسات (الطالباني) التي أكدت أن بين هؤلاء 160 شخصاً من الأفغان العرب منهم 42 سعودياً، سلمتهم حكومة باكستان إلى القوات الأمريكية بعد أن قبضت عليهم متسللين عبر حدودها مع أفغانستان، وطبقاً لرسالة المركز الالكترونية، فإن هؤلاء حاولوا دخول باكستان بعد فرارهم من أفغانستان بسبب عدم إكمالهم التدريب ولعدم معرفتهم بأسلوب الحرب القادمة، هؤلاء من يصفهم رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي أنهم ليسوا أسرى حرب لأنهم ليسوا كذلك، بل مقاتلون غير شرعيين، ولذلك فليس لهم حقوق بحسب اتفاقية جنيف ومع ذلك سيعاملون بطريقة تتطابق إلى حد معقول مع اتفاقية جنيف.
ولأن راعي البقر الأمريكي لا ينظر خلفه أبداً، فإنه لا يعرف عن أي حقوق يتحدث وقد يكون غير مطلع على بنود اتفاقية جنيف التي يتشدق بإعطاء بعض حقوقها إلى أسراه، وإلا فما معنى أن ينقل هؤلاء الرجال بهذا الشكل الذي لا يشكل إهانة لهم وحسب وإنما للبشرية بأجمعها..
وما هي الحقوق التي تمثلها ظروف معيشتهم في قاعدة غوانتانامو، حيث البدلات البرتقالية التي تغطي أجسادهم المرمية في غرف منفصلة مساحة الواحدة منها 8*6 أقدام مصنوعة من حواجز متصلة ببعضها وذات سقف خشبي وتبقى مضاءة طيلة الليل والنهار ليتمكن الحراس من مراقبتها باستمرار رغم أن تلك الغرف (الأقفاص) مسورة بحاجزين سلكيين مكهربين ومحاطة ببحيرات متخمة بأسماك القرش.
أية حقوق لرجل يعيش في هذه الظروف في غرفة ليس فيها سوى حصيرة صغيرة على الأرض العارية..؟
وحتى أنت.. يا كاسترو
الرئيس الكوبي فيدل كاسترو الذي يحمل في جعبته عادة الكثير من المفاجآت، آثر أن يفجر واحدة منها في هذا الموضوع، إذ على خلاف كل التوقعات بأن يعارض استخدام قاعدة غوانتانامو لهذا الغرض الأمريكي البشع، فإنه لم يكتف بعدم الاعتراض، أنه لم يكلف نفسه عناء انتقاد الولايات المتحدة التي تعد عدوّه اللدود تاريخياً، وإنما اصدر الأوامر لقواته بمعاونة القوات الأمريكية في هذه العملية التي وصفها بالدقيقة.
ردود الفعل :
ردود الفعل التي انطلقت من مختلف الدول والمنظمات الإنسانية أكدت رفضها للسلوك الأمريكي اللاإنساني، ففي لندن دعا برلماني بريطاني كبير الولايات المتحدة وحلفائها إلى الأخذ بعين الاعتبار مسألة حقوق الإنسان في شكل صريح حين التعاطي مع قضية الأسرى .
فيما أعرب خبراء غربيون وجماعات مدافعة عن حقوق الإنسان عن قلقهم الشديد إزاء الظروف التي أوقف فيها هؤلاء الأسرى إضافة إلى مواقف وتصريحات أخرى خاصة من منظمة العفو الدولية.. إلا أن أخطر التطورات اللاحقة هو اكتشاف 6 ستة بريطانيين ضمن مجاميع الأسرى إضافة إلى الأمريكي الذي بقي محتجزاً على ظهر سفينة تطفو على بحر العرب بعيداً عن سلوكيات بلده اللاإنسانية، الأمر الذي أدى إلى تكثيف الضغوط البريطانية على الولايات المتحدة التي تراجعت بدورها عن تصريحات وزير دفاعها واعتبرت هؤلاء المحتجزين أسرى حرب تنطبق بحقهم بنود معاهدات جنيف مما سيسمح للصليب الأحمر الدولي زيارتهم والاطلاع على الشروط التي يجب توفرها في سجنهم..
............... ذات مرة كتب القاضي روبرت جاكسون إلى الرئيس الأمريكي للادعاء أثناء محاكمات نورمبرج (أنني خجل من إجراءات المحاكمة لأنها ليست عادلة) وكانت إشارة واضحة إلى أن تلك المحكمات لم تكن سوى محاكمات المنتصرين وبضمنهم الولايات المتحدة التي لم يحاكمها أحد حتى هذه اللحظة لإلقائها قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناغازاكي في الوقت الذي كان يسعى فيه إمبراطور اليابان لإعلان الاستسلام. وإذ يعيد تاريخ العنف الأمريكي نفسه، فإن لا أحد من طاقم الإدارة الأمريكية يستطيع الإعلان عن خجله، خاصة وأن ذرات اليورانيوم المنضب الذي استخدموه ضد الشعب العراقي في حرب الخليج الثانية والذي راح ضحيته أكثر من مليون عراقي، لا زالت عالقة على بزاتهم العسكرية
- الموضوع منقول -