فلتبرئ أميركا ساحتها من تعذيب المعتقلين

المركز الدولي لدراسات أمريكا والغرب


هكذا تسير الأمور مرة أخرى وهكذا نمضي .. كان هذا ردي على التقارير التي مفادها أنه حتى بعد فضيحة سجن أبو غريب والرفض الرسمي لـ" مذكرة التعذيب " التي خطها "جون يوو" والتي أجازت أي نوع من استخدام القوة طالما أنه لم يسبب موتا أو إعاقة كبرى في أحد الأعضاء البشرية، لقد التفت إدارة بوش وناورت وأجازت سرا عمليات الاستجواب التي تقوم بها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية " سي آي أيه " والتي تستخدم الصفع والضرب على الدماغ والتعريض للبرودة الشديدة والغمر بالمياه ، حتى عندما يتم استخدام كل هذا معا .

وهنا تأتي المعاني والدلالات من رئيس تفاخر بنفسه في وقت من الأوقات وبحديثه البسيط الواضح قائلا : " هذه الحكومة لا تستخدم التعذيب" كلا، لأن الصفع أو الضرب على الدماغ والتعريض للبرودة الشديدة وإقناع المشتبه فيهم بأنهم على وشك أن يتم إغراقهم بأسلوب لا يمكن أن يتحمله أو يطيقه حتى أقوى الجنود الأميركيين لأكثر من دقيقتين لا يشكل - من وجهة نظره - تعذيبا ! وفي الواقع ، ووفقا لأحد الآراء المسربة حديثا، فإن هذه الأساليب لا تشكل- من وجهة نظر الإدارة الأميركية - حتى " معاملة قاسية غير إنسانية مهينة " !

إن تقارير ألكسندر سولزينيتسين عن المعتقل السوفيتي في سبعينيات القرن الماضي لم تميز أساليب التعذيب المبدعة على نحو مريع التي مورست في أماكن مثل الأرجنتين وشيلي خلال الحرب القذرة ومعظم ما تحدث عنه كان ضرب المعتقلين وتعريضهم لدرجات حرارة منخفضة جدا شديدة البرودة في سيبيريا وفي تلك الأيام لم نناور نحن الأميركيين محاولين تقرير ما إذا كانت مثل تلك المعاملة تشكل تعذيبا. كنا نعلم فحسب أنها خاطئة وكما قد أُورد غالبا، فإن كثيرا من الأساليب التي يستخدمها الآن عملاؤنا الاستخباراتيون التابعون لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية " سي آي أيه " تأتي من الأساليب التي نكيف نحن جنودنا على مقاومتها في حال التعذيب على أيدي الأعداء الخارجين عن القانون إذا تم أسرهم ويبدو أننا الآن ليس لدينا مشكلة في قبول التوازن الأخلاقي فيما يفعلونه لنا وما نفعله نحن لهم.
نحن كان لدينا هذه المناقشات والمجادلات من قبل والفرق هذه المرة - كما يُفترض - هو أننا لا نطلب من جنودنا تنفيذ هذه " الممارسات في الاستجوابات " ولكن نطلب من المستجوبين الخبراء في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية " سي آي أيه "، الذين وقعوا عن رغبة واستعداد لوظيفة ولديهم سجل مسار مُثبت في استخلاص المعلومات فهذا هو عالم الشبكات الإرهابية التي تعمل في الظل والشبكات الاستخباراتية التي تعمل في الظل على نحو مماثل؛ والقواعد العادية الطبيعية لا تنطبق .
وفي ستينيات القرن الماضي، اعتدنا توفير ضباط في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لهم مطلق الحرية في محاولات الاغتيال للحكام الذين لم نكن نحبهم، حتى نكص الشعب الأميركي وجعلتنا مغامرات مثل محاولة التخلص من فيدل كاسترو عن طريق سيجاره أضحوكة.
وتمثل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية " سي آي أيه " أميركا مثلها تماما مثل أي ذراع أخرى للحكومة وفي الواقع، فإن ضباط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مصممون على ألا يفعلوا أي شئ ليس مجازا قانونا بشكل صريح وواضح، وهذا بالضبط هو السبب في أن الإدارة الأميركية كان عليها أن تصدر آراء قانونية رسمية تحدد أن أساليب مثل الغمر بالمياه هي أساليب مسموحة في المقام الأول.
وفي ربيع عام 2004، كتبتُ على هذه الصفحة عن ضيقي وكربي عند السفر في المطارات ورؤية صور أبو غريب تحدق فيَ من كل منفذ لبيع الصحف، وأنا أُظهر جواز السفر الأميركي الأزرق الذي كنت دوما فخورة به ، وأدرك أن مسؤول الجمارك ومسؤول الهجرة، وحتى موظف خط الطيران كانوا يربطون بين جواز السفر ذلك والتعذيب .
وبعدها بثلاث سنوات، وبعد أن قاد رجال مثل السيناتور جون ماكين، وهو سجين حرب سابق، منضما إليه عشرات من الجنرالات والأدميرالات السابقين، بعد أن قادوا الكفاح ضد هذه الأساليب ، وفي الواقع بعد أن حظرها نهائيا الكونجرس الأميركي في الاستجوابات العسكرية، نحن مازلنا منخرطين ومنغمسين فيها والفرق الوحيد هو أننا ليس لدينا صور لسجناء يتم إغراقهم تقريبا وصفعهم وضربهم أو جعلهم يجلسون عرايا في زنازين مثلجة ومثل تلك الصور ستكون أقل دراماتيكية من صور أبو غريب، ولكنها حتى أكثر خزيا وعارا، لأنها ستمثل السياسة الرسمية لأميركا كأمة وكدولة .
يمكنني أن أدفع بأن استبعاد التعذيب والإذلال والمعاملة المهينة هو في صالح أميركا، وكيف أن الاستجواب من هذه النوعية نادرا ما يجدي نفعا ويمكنني أن أشرح وأفسر كيف أن الضرر الذي يلحقه بنا في العالم يفوق ويطغى على أي معلومة معينة نحصل عليها وفي الواقع، وحتى لو حصلنا على معلومات تنجح فعليا في وقف هجوم معين اليوم ، فإننا نغذي قطعانا وفيالق أخرى من الإرهابيين الجدد غدا.
ويمكنني أيضا أن أوضح مدى الخطورة التي نُعرض بها جنودنا نحن للخطر عندما يتم أسرهم في الخارج ويمكنني أن أتحدث عن كيف أننا نهين أنفسنا ونحط من قدرها أساسا، بدءا من الرجال والنساء الذين يؤمرون بتنفيذ مثل تلك المعاملة وانتهاءً بهويتنا ذاتها كأمة وكما قال الرئيس ثيودور روزفلت في خطابه حالة الاتحاد لعام 1906، :" لا أحد يمكن أن يشارك في تعذيب إنسان بدون تدهور طبيعته الأخلاقية والمعنوية هو ذاته بشكل دائم".
ويمكنني أن أقدم هذه الحجج وأنا أعتقد فيها وأؤمن بها ولكن ما أريده حقيقةً هو أميركا تنهض ببساطة وتقول ، كما فعل الرئيس جورج بوش عندما رأى صور سجن أبو غريب ، إن هؤلاء ليسوا نحن حان الوقت لرئيس يعني ما يقول .
 
آن-ماري سلاوتر
عميدة كلية " وودرو ويلسون للشؤون العامة والدولية " بجامعة برينستون الأميركية