سجناء جوانتانامو الأمن فوق الكرامة!
بقلم: د. عبدالعليم محمد
بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا, مقاربات سياسية متفاوتة, لتشخيص مشكلات وقضايا العالم وطرق حلها ومعالجتها, ظهرت إلي حيز الوجود بشكل واضح, ما أن أعلنت إدارة بوش عزمها علي تلخيص التحديات التي يواجهها العالم, في بند واحد هو الإرهاب, بيد أن هذه المقاربات الأمريكية والأوروبية تتجاوز التشخيص الكلي والكوني لحاضر ومستقبل العالم, لتدخل في مستويات من الخلاف عميقة الجذور, لأنها تتعلق بالثقافة والحضارة, وتخص العلاقة بين القانون والقوة والعدالة, ذلك أن أوروبا تعتقد في تفوقها الأخلاقي علي الولايات المتحدة الأمريكية, خاصة بعد تمكنها من إلغاء عقوبة الإعدام, وقد صدمت أوروبا هذه والرأي العام فيها ـ كما صدم الرأي العام العالمي ـ في مشاهد المعتقلين والمسجونين الأفغان العرب وغير العرب, المنتمين إلي طالبان, أو أولئك المنتمون لتنظيم القاعدة, والذين تم نقلهم إلي قاعدة جوانتانامو البحرية الأمريكية في كوبا.
كانت الشواهد والتطورات تشير إلي تصاعد القلق الأوروبي, حول مصير المعتقلين والسجناء من غير الأمريكيين, في الحرب الأمريكية ضد الإرهاب, حيث أصدر الرئيس الأمريكي أمرا عسكريا مؤرخا في13 نوفمبر عام2001, يحدد فيه كيف يجب أن يعامل من يعتقل ويجرم من غير المواطنين الأمريكيين في إطار محاربة الإرهاب, ويمنح هذا الأمر السلطات العسكرية حق الاحتفاظ بهؤلاء السجناء, الذين يعتقد في انتمائهم لتنظيم القاعدة أو انخراطهم في أعمال إرهابية ضد الولايات المتحدة الأمريكية, وأن يحاكم هؤلاء وفق القانون العسكري في محاكم عسكرية مشكلة من الضباط لا تشمل قضاة أو محلفين.
استند الرئيس الأمريكي بوش في قراره علي واقعة مشابهة وقرار عام1942. اتخذه الرئيس الأمريكي الأسبق روزفلت إزاء بعض المخربين الألمان, الذين وصلوا إلي الشواطيء الأمريكية, بيد أن روزفلت نفسه قام بتصحيح هذا الخطأ في عام1944, عندما رفض نصيحة وزير خزانته هنري مورجنينتو بقتل الفين أو ثلاثة آلاف من القادة الألمان دون محاكمة, وبمجرد التأكد من هويتهم, وذلك بناء علي نصيحة وزير دفاعه في ذلك الوقت وهو هنري سيتمسون, والذي أوصي بإنشاء محكمة تحترم القانون لمحاكمة هؤلاء.
يضاف إلي هذه الشواهد الباعثة للقلق لدي الأوروبيين أن الولايات المتحدة كانت قد أعلنت عدم انطباق اتفاقيات جنيف الأربع وخاصة الاتفاقية الثالثة والمادة الرابعة منها علي نحو خاص بشأن هؤلاء السجناء, وهو الأمر الذي قاد الولايات المتحدة إلي رفض منحهم صفة أسري حرب, وهذه المقاربة الأمريكية تعد من قبل الكثيرين انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني وتترك الباب مفتوحا لإتهام هؤلاء السجناء بإطلاق النار علي الجنود الأمريكيين وهو اتهام لا يصح وفقا للمادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة إذا ما اعتبروا أسري حرب.
بيد أن احتجاجات منظمات حقوق الإنسان الدولية والأمريكية والأوروبية وعلي نحو خاص ميديل إيست ووتش لمراقبة حقوق الإنسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر والتي تعد علي الصعيد الدولي الضامن لتنفيذ اتفاقية جنيف الثالثة, قد حمل الإدارة الأمريكية علي تغيير جزئي في موقفها من هؤلاء السجناء, ففي7 فبراير2002 قام الرئيس الأمريكي جورج بوش بالتمييز بين مقاتلي طالبان الأفغان الذين حاربوا من أجل بلادهم في مواجهة قوة أجنبية واعتبارهم أسري حرب, وبين أعضاء تنظيم القاعدة الذين لا تنطبق عليهم هذه الصفة, وهذه التفرقة رغم أنها ليست مرضية تماما للجنة الدولية للصليب الأحمر إلا أنها تشير إلي محاولة أمريكية لتكييف وضع بعض هؤلاء السجناء من الناحية القانونية.
علي أن هذا التطور في الموقف الأمريكي لم يضع حدا للخلاف القانوني والعلاقة بين القوة والعدالة من وجهة النظر الأوربية, ذلك أن اختيار قاعدة جوانتانامو البحرية في كوبا, خارج الإقليم الأمريكي يترك ظلالا من الغموض والشكوك حول النوايا الأمريكية, كما أن تقارير المراسلين الذين أتيحت لهم زيارة هذه القاعدة وعلي نحو خاص مراسل جريدة ليبراسيون الفرنسية تكشف الطبيعة اللأنسانية, واللأخلاقية لوضع هؤلاء السجناء, حيث وصف المعسكرين اللذين يضمان هؤلاء وهما معسكر أشعة اكس وألفا برافو بأنهما معسكران خارج القوانين, استنادا إلي طبيعة الإجراءات الأمنية الصارمة, والإرادة المعلنة والمضمرة, لنزع صفة الإنسانية عنهم, وإذلالهم, فهم موضوعون في أقفاص وسلاسل, ولا يعرفون الليل حيث تضاء كشافات قوية ومسلطة مباشرة علي السجناء, ويعاملون كما لو كانوا كائنات قادمة من كوكب آخر, لا علاقة لهم بالقوانين ولا بالإتفاقيات الدولية.
خلف هذه التفاصيل الخاصة بالإجراءات الأمنية ومعاملة هؤلاء السجناء ومناخ معاملتهم, تكمن إشكاليات وقضايا قانونية وإنسانية, ليس بمقدور أية قوة تجاهلها أو غض البصر عنها, إذ أنها اختبار حقيقي للفلسفات ومباديء وتوجهات العالم الذي يلحق بنفسه صفة التحضر حول حقوق الإنسان وكرامته.
في مقدمة هذه القضايا تجيء مدي شرعية التفرقة في المعاملة القانونية, بين المواطنين والأجانب, وتمتع الأولين بالضمانات القانونية التي يقرها الدستور, من قضاء عادي ودفاع وإجراءات قانونية محددة في حين يخضع الآخرون أي الأجانب, لإجراءات تمييزية واستثنائية وقضاء عسكري, وفي سياق الدفاع عن خضوع الأجانب لهذه المعاملة القانونية يحتج الأمريكيون بأن القضاء والقانون العام, لا يسهل مهمة التعامل مع الإرهاب والقضاء عليه وهذه الحجة يصعب القبول, بها في إطار التطور الحالي علي الصعيد القانوني الدولي لمواجهة الجرائم والأحداث الاستثنائية, حيث تشكلت محاكمات مجرمي الحرب في يوغوسلافيا السابقة ورواندا, قبل التوصل إلي إقرار النظام الأساسي لمحكمة جنائية دولية في روما عام1998, وهو النظام الذي اعترضت عليه الولايات المتحدة, ووقعته في الساعة الأخيرة من عام2000, ولم تصادق حتي اليوم علي قيام هذه المحكمة.
تدرك الولايات المتحدة الأمريكية, أن قيام هذه المحكمة الجنائية الدولية يعتبر سلاحا ذا حدين, فإذا أمكن استخدامه ضد مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية في مناطق عديدة من العالم, فإنه يمكن أن ينطبق علي ممارساتها, في الحالات التي تخول وتجيز هذا الانطباق, لأنه في حالة الموافقة سيصبح اختصاص هذه المحكمة عالميا, يمكنها من النظر في حالات الانتهاك الجسيم لحقوق الإنسان وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أينما وحيثما تقع.
من ناحية أخري فإن قصر انطباق اتفاقية جنيف الثالثة, والمادة الرابعة منها علي نحو خاص, علي أسري طالبان, دون أسري تنظيم القاعدة يعد موضوعا للجدل والنقاش واختلاف وجهات النظر, ذلك أن هذه المادة الرابعة من تضع في نطاق أسري الحرب أفراد القوات المسلحة والمليشيات والوحدات المتطوعة, ومن يرافقهم أو يؤيدهم حاملا السلاح من قبل مجموعة منظمة وجاءت المادتان44,43 من البروتوكول الملحق الأول لتزيلا الالتباسات الممكنة.
وحتي بافتراض عدم كفاية هذه المادة الرابعة اتفاقية جنيف الثالثة والمادتين44,43 من البروتوكول, لإعتبار سجناء القاعدة أسري حرب, بسبب افتقاد التميز في الملبس عن المدنيين, أو عدم خضوعهم لهيراركية, واضحة, أو تنظيم معترف به أو عدم إعلان الطرف الآخر في الحرب بوجوده في ميدان المعركة, فإن بعض الآراء الأمريكية تذهب إلي ان وجود أعضاء تنظيم القاعدة في ساحة الحرب, يخول لهم الاستفادة من الحماية التي تكفلها لهم اتفاقية جنيف الثالثة, وإدراج محاكمتهم في إطار قانوني دولي واضح, أو وذلك في أضعف الحالات ـ محاكمتهم وفقا للقانون الوطني للدولة التي قامت باعتقالهم, وفي الحالين فإن ذلك يكفل ضمان عدم وقوع هؤلاء السجناء خارج الحماية القانونية, خاصة في ظل عزم الولايات المتحدة علي عدم التصديق علي النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
أما ثالثة الأثافي من قائمة القضايا المثارة, فهي العلاقة بين حقوق الإنسان والأمن, وما إذا كان الأمن لا يتحقق إلا علي حساب التدهور والإنتهاك في مجال حقوق الإنسان, إن المفاضلة بين هذا وذاك تفضي في التطبيق إلي إغفال انتهاك حقوق الإنسان وكرامته, وهي معادلة ينبغي تصحيحها, واستمرارها يعني في الواقع انتهازية أخلاقية تفتح الباب أمام تأسيس مشروعية لخرق وانتهاك هذه الحقوق وتقلص فاعلية مراقبة هذه الانتهاكات علي الصعيد الدولي.
والأمر لا يقتصر رغم ذلك علي أسري طالبان والقاعدة في جوانتانامو, بل أقامت الولايات المتحدة الأمريكية معسكرين آخرين في أفغانستان, في قندهار وباجرام يضمان300 معتقل, وتحتفظ قوات تحالف الشمال بـ5000 سجين, وثمة عدد آخر من السجناء غير معروف في باكستان, وجميع هؤلاء يحظون باهتمام أقل من قبل الرأي العام العالمي, رغم أنهم جميعا ضحايا غلبة الاعتبارات المتعلقة بالأمن علي تلك المتعلقة بحقوق الإنسان وكرامته.
لقد خلقت الحرب الأمريكية علي الإرهاب أنماطا جديدة من الصراعات, بل وأنماطا جديدة من الفاعلين في الساحة الدولية, بحاجة إلي ضمانات قانونية مستحدثة أو تطوير لما هو قائم منها, حتي لا يفتح الطريق لإنتهاكات جسيمة لحق الإنسان في الحياة والكرامة ومحاكمة عادلة, بمنأي عن الحساب والمراقبة والإدانة.
نقلاً عن الأهرام المصرية .