سالم وعادل.. سنوات من الجحيم في جوانتانامو

إسماعيل كمال كشكوش
إسلام اونلاين- الخرطوم
24 - 2- 2008

عندما اقتحمت الاستخبارات الباكستانية مقر إقامة المعلم السوداني الجنسية سالم محمود آدم بمدينة بيشاور في 27 مايو عام 2002، لم يكن لديه أدنى فكرة عن أن هذا سيقوده لقضاء 6 سنوات من الجحيم بمعتقل جوانتانامو سيئ السمعة التابع للجيش الأمريكي في خليج كوبا.
"بمجرد أن فُتح الباب كبّلوني على الفور، ما زلت أتذكر جيدًا صرخات ودموع زوجتي وأطفالي الثلاثة في تلك الليلة".. هكذا بدأ سالم محمود آدم (44 عامًا) يروي قصته مع جوانتانامو لـ"إسلام أون لاين.نت" في منزله بوطنه السودان بعد نحو 70 يومًا من إطلاق سراحه.

وأردف سالم -المسئول السابق عن مدرسة للأيتام في بيشاور تديرها منظمة كويتية غير حكومية-: "كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل عندما اقتحموا المنزل، وكانت زوجتي حاملاً آنذاك، ولكنهم لم يظهروا أي رحمة".

بعد ذلك اقتيد سالم معصوب العينين إلى معتقل باكستاني، وتم استجوابه هناك لمدة 12 ساعة قبل أن يرسل إلى معسكر اعتقال سيئ السمعة هو الآخر بقاعدة "باجرام" الجوية العسكرية الأمريكية في أفغانستان.
وبدأت محنة سالم المؤلمة مبكرًا بالتعذيب في باجرام، وعن هذا يروي هو بنفسه متذكرًا المعاملة السيئة له ولزملائه المسلمين في المعتقل: "لقد تركونا جميعًا عراة أمام بعضنا البعض، وكانت الاستجوابات تستمر لثلاث أو 4 ساعات أحيانًا".

وبعد شهرين من اعتقاله، جاءت لحظة الانتقال إلى "حفرة أخرى من حفر الجحيم" على بُعْد آلاف الأميال يطلق عليها اسم "جوانتانامو".

وبكل الأسى وصف سالم معتقل جوانتانامو بأنه "مكان يتنافى مع معاني الإنسانية". وتذكر قسوة المحققين، والضرب، وبكاء وصراخ رفاقه المعتقلين، والموسيقى الصاخبة في أوقات الصلاة.

ولم تقتصر معاناة سالم على الألم البدني فحسب، بل امتدت لألم آخر أشد وطأة وهو ألم وعذاب النفس، وقال: "بعض المحققين كانوا يخبرونني بأنني بريء، وإن ما أنا فيه مجرد لعبة سياسية".

وتحتجز إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش مئات المعتقلين في جوانتانامو منذ عام 2002، وتعرض هذا المعتقل على مدار سنوات الماضية لانتقادات من قبل منظمات حقوق الإنسان الدولية الكبرى؛ نظرًا لأنه يدار خارج إطار القانون.

وأقدم العديد من معتقلي جوانتانامو -الذي لا يزال يضم نحو 275 معتقلاً داخل جدرانه- على الانتحار أو الدخول في إضرابات لمدة طويلة عن الطعام؛ احتجاجًا على احتجازهم بدون أدلة ودون توجيه اتهامات محددة لهم سوى الاشتباه في صلتهم بما يسمى "الإرهاب".

اتهامات سرية

ومثل سالم محمود آدم، لا يزال المواطن السوداني عادل حسن حامد يتذكر يوم اعتقاله في باكستان يوم 18 يوليو من عام 2002، حيث كان يعمل حينها مديرًا لمستشفى في بيشاور.

وقال عادل -في حديث مع "إسلام أون لاين.نت"-: "عندما بدأ الغزو الأمريكي لأفغانستان، غادر جميع الأجانب باكستان"، مضيفًا أنه ذهب مع زوجته وبناته الأربعة في زيارة للسودان في صيف عام 2002، لكنه تركهم هناك وعاد بمفرده إلى باكستان يوم 16 يوليو من العام نفسه، حيث كان كل ما يرغب فيه هو "مساعدة اللاجئين الأفغان والباكستانيين".

وبعد يومين من عودته لبيشاور اعتقلته المخابرات الباكستانية، وعن قصة اعتقاله قال عادل: "أيقظني ضباط المخابرات الباكستانية، وطلبوا مني عدم التحرك من مكاني وإظهار أوراق هويتي".

أما اللحظة التي أدهشت عادل فكانت عندما اقترب أحد الضباط الباكستانيين من مسئول أمريكي وسأله سؤالاً غيَّر مجرى حياة المواطن السوداني للأبد.

وقال عادل: "أخبر الضابطُ المسئولَ الأمريكي بأن أوراقي سليمة، فهل يتعين علينا أن نعتقله؟ فكان الرد بنعم".

بعدها أُخذ عادل إلى سجن باكستاني مكث فيه لمدة 6 أشهر و15 يومًا استجوبه خلالها ضباط المخابرات.

وعلى درب سالم، نقل عادل مع 3 أشخاص آخرين وهم مكبلين ومعصوبي العينيين جوًّا إلى قاعدة باجرام الأمريكية في أفغانستان، وهي المحطة الانتقالية التي مرّ عليها الكثيرون ممن نقلوا إلى جوانتانامو، بغض النظر عن المكان الذي اعتقل فيه، سواء كان داخل أفغانستان أم خارجها.

ويستمر عادل في روايته قائلاً: "بمجرد وصولنا إلى هناك بدءوا في ضربنا، وأخضعني الجنود والمسئولون الأمريكيون هناك لتحقيق مستمر غالبًا ما صحبه الضرب واللعنات والتهديدات، وكانوا لا يدعوننا ننام".

وأردف "بعد شهرين من التحقيق والتعذيب المتواصل نقلت مع آخرين إلى جوانتانامو في طائرة شحن ومقيدين في أرضية الطائرة، واستمرت رحلتنا نحو 20 ساعة".

وفي جوانتانامو، تعرض عادل للاستجواب والتحقيق يوميًّا وأحيانًا مرتين في اليوم الواحد، وبرغم ذلك لم توجّه له أي اتهامات رسمية.

وأوضح "لقد اتهموني بمساعدة حركة طالبان وتنظيم القاعدة في أفغانستان. وسألتهم كيف ذلك؟ قالوا إنها معلومة سرية. واتهموني بأنني عدو مقاتل برغم أنني لم أحمل سلاحًا يومًا ما".

وتصف واشنطن جميع معتقلي جوانتانامو بأنهم مقاتلون أعداء غير قانونيين، وهو الأمر الذي يحرمهم من حقوقهم القانونية في إطار النظام القضائي الأمريكي.

ومنذ افتتاحه عام 2002 لم توجه اتهامات إلا لثلاثة فقط من أصل 750 شخصًا أرسلوا إلى جوانتانامو، وعلى مدار العامين الماضيين أفرجت السلطات الأمريكية عن 400 من سجنائه دون إبداء أسباب وتفسيرات للإبقاء عليهم خلف القضبان لسنوات دون وجه حق.

السنوات الضائعة

وفي عام 2004، مثُل عادل أمام لجنة عسكرية استثنائية برَّأته من تهمة "المقاتل العدو". وفي سبتمبر من عام 2007، برأته محكمة عسكرية من تهمة توجيه تهديد للولايات المتحدة.

وبعد ذلك بثلاثة أشهر تنفس عادل الصعداء عندما نقل من "جحيم جوانتانامو" إلى بلاده بصحبة سالم في 13 ديسمبر الماضي، لكن أيًّا منهما لم يكن يعرف ما ينتظره من عذاب نفسي في بلادهما.

وفوجئ عادل (50 عامًا) بأن ابنته الصغرى فايدة تُوفِّيت في أثناء احتجازه في جوانتانامو، حيث عجزت الأسرة عن علاجها بعدما ضاقت بها السبل جراء اعتقاله.

من جانبه، قال عادل: إنه لا يزال يحاول لمّ شمل أسرته مجددًا مع زوجته الباكستانية وأطفاله الثلاثة الذين لا يزالون في بيشاور، مشيرًا إلى أن ابنته الصغرى أمينة (5 سنوات) ولدت بعد احتجازه ولم تره أو يرها حتى الآن.

ويعتزم الرجلان بمساعدة عدد من جماعات حقوق الإنسان مقاضاة الولايات المتحدة؛ لمطالبتها بالاعتذار وتقديم تعويضات لهما عمّا قاسوه خلف جدران جوانتانامو.

وفي نهاية حديثه قال سالم وهو يحبس دموعه: "جوانتانامو مكان تنتهك فيه حقوق الإنسان، يجب إغلاقه فورًا".