دلالات توجيه التهم الى "ستة جوانتانامو"
12 فبراير 2008
BBCarabic
يعتبر الاعلان اليوم الاثنين عن توجيه تهم رسمية الى ستة من المعتقلين في سجن جوانتانامو بالتورط في هجمات الحادي عشر من سبتمبر ايلول 2001 "من المعالم القضائية المهمة" حسب تعبير الجنرال توماس هارتمان المستشار القانوني للبنتاجون الذي اعلن عن النبأ.
ولكن الذي لم يقله هارتمان هو ان القرار الذي اعلنه البنتاجون يحمل دلالات سياسية مهمة ايضا.
فمعتقل جوانتانامو كان منذ افتتاحه قبل 6 سنوات ونيف ينظر اليه بمثابة الابن العاق لما يسمى بالحرب على الارهاب.
ففي نظر ادارة الرئيس بوش، ادى معتقل جوانتانامو دوره في تجنيب امريكا ضرر من تسميهم الادارة بـ "أسوأ الاسوأ" من المتشددين.
ولكن صورة المئات من الاجانب وهم معتقلون في قاعدة عسكرية ومحرومون من ابسط الحقوق التي يتمتع بها سجناء الحرب قد قوضت ادعاء الادارة الامريكية الحالية بأنها تخوض حربا كونية من اجل اعلاء كلمة الديمقراطية والحرية.
فلا يكاد يوجد مسؤول امريكي واحد يجرؤ اليوم على الادعاء بأن معتقل جوانتانامو يمكن ان يكون نموذجا للسياسة التي يجب ان تتبعها واشنطن في محاربة الارهاب في المستقبل.
بل ان العكس هو الصحيح، فالمعارضة القوية لجوانتانامو- في داخل الولايات المتحدة وخارجها - قد ادت الى تغير تدريجي وهادئ في السياسة الامريكية.مارد جبار
تخطط واشنطن الآن لاغلاق جوانتانامو، ولكن بعد ان تقرر مصير نزلائه الـ 275 المتبقين فيه.
وهذا يمثل توجها مخالفا جدا لما كان عليه الوضع عقب هجمات سبتمبر مباشرة عندما كانت الولايات المتحدة تتبجح، كمارد جبار مثخن بالجراح، بأن جوانتانامو يمثل ردا عادلا على حرب ظالمة اعلنت عليها.
فقد صاحب وصول اول النزلاء الى جوانتانامو جو يكاد ان يكون احتفاليا، حيث وزعت السلطات الامريكية صورا رسمية للسجناء وشجعت الصحفيين على المجئ ورؤية السجن باعينهم.
كنت واحدا من الصحفيين الاوائل الذين زاروا جوانتانامو في فبراير شباط عام 2002، واذكر اني صدمت بما عبر لي عنه معظم الذين التقيتهم من العسكريين الامريكيين من ان الانتقام طعمه حلو وان الذين تجرأوا على مهاجمة امريكا يتلقون الآن الجزاء الذي يستحقون.
وقد شجعنا مسؤولو المعتقل على تعريف العالم عن طبيعة الحياة خلف قضبان جوانتانامو، حيث سمحوا لمصورينا بتصوير السجناء عن كثب ودون قيود تقريبا.ادانة دولية
فقد كان المسؤولون عن السجن يرغبون في ايصال رسالة مفادها ان اعداء امريكا سينتهي بهم الحال الى مكان مقفر كهذا. لذا كانوا ينظرون بعين الرضا الى الصور التي كانت تظهر السجناء وهم يبركون على الارض تحت اشعة الشمس الحارقة ببزاتهم البرتقالية بعد وصولهم الى المعتقل قادمين من افغانستان.
وما زلت اتذكر استغراب المسؤولين والسجانين من الادانات الدولية المتصاعدة لهذه الصور.
فالذين تأثروا تأثرا مباشرا باحداث سبتمبر لم يستطيعوا استيعاب رفض العالم الخارجي معاملة "اعداء امريكا" بهذا الشكل.
بل بالعكس، كان سجانو جوانتانامو يشعرون بالفخر بما كانوا يفعلون، وما زالوا يشعرون بذلك، رغم امتناعهم الآن عن الافصاح عن مشاعرهم علنا.
ولكن ما من شك في ان الكثير قد تغير في السنوات القليلة الماضية، وان الغضب الامريكي ازاء احداث سبتمبر لم يعد مرا كما كان.المدافعون عن جوانتانامو
لقد بدأ الكثيرون في امريكا يتسائلون حول ما اذا كان الاحتفاظ بمعتقل جوانتانامو يستحق ان تضحي البلاد بسمعتها الدولية.
قد يوفر القرار الذي اعلن اليوم عن توجيه التهم الى ستة من نزلاء السجن اجابة جديدة على هذا التساؤل.
فالذين دافعوا عن جوانتانامو في الماضي يستطيعون الآن القول إنه ما كان بالامكان احالة هؤلاء للعدالة ما لم يكن السجن قائما.
فقد استغرقت عملية جمع الادلة اللازمة لتوجيه التهم لهؤلاء الستة سنوات عديدة، وهي فترة ما كانت لتتوفر للمحققين للتحقيق مع المعتقلين لولا الوضع القانوني المبهم لمعتقل جوانتانامو.إرث بوش
وفي حقيقة الامر، فإن المحاكمة التي ستجرى للمعتقلين الستة ستكون واحدة من الثمرات الملموسة القليلة لوجود جوانتانامو، وكما هو معلوم فإن النتائج الملموسة اكثر فعالية كنقاط للحوار والمناقشة من النتائج غير الملموسة التي ما برحت ادارة بوش تشير اليها - كعدد الهجمات التي قوضت نتيجة الاحتفاظ بهذا العدد ممن كان يمكن ان يقوموا بها رهن الاعتقال.
اما بالنسبة للرئيس بوش بالذات، فستتيح المحاكمة له الاقتصاص من مدبري هجمات سبتمبر اثناء السنة الاخيرة من فترة ولايته مما قد يسكت المتذمرين من اخفاقه في القاء القبض على اسامة بن لادن واضعاف الانتقادات للحرب التي اعلنها ضد الارهاب.
فولاية بوش، التي بدأت فعليا بهجمات سبتمبر، قد تنتهي بمحاكمة بعض العقول المدبرة لتلك الهجمات.
وبالرغم من المصاعب القانونية التي ما زالت تواجه هيئة الادعاء العسكري في متابعة هذه القضية - وهي مصاعب قد تؤدي الى وصول المحاكمة الى طريق مسدود - فإن الذين كانوا دوما من المؤيدين لفكرة اقامة معتقل جوانتانامو ينظرون الى هذه الاجراءات بوصفها طريقة لمساعدة الابن العاق على مغادرة المسرح الدولي مكللا بالغار - عوضا عن مغادرته جارا ذيول الخيبة.