ست سنوات على غوانتانامو!

24/01/2008
زكريا شاهين

قبل ست سنوات كانت الدفعة الأولى من المعتقلين الذين جمعهم الجيش الامريكى تصل إلى معتقل غوانتانامو، فى ظروف اقل ما قيل فيها إنها ظروف تخالف كل الأعراف والقوانين الإنسانية لترتقى إلى مصاف جرائم الحرب. فى ذلك الحين، وقبل انكشاف الفضائح الأمريكية فى ما يخص تبريرات الحروب وإقامة المعتقلات، وصف نائب الرئيس الامريكى ديك تشيني، فى نوفمبر 2002، المعتقلين الذين بدأ تكديسهم فى غوانتانامو بـ"أسوأ الأشرار"، فيما وصف تشينى لاحقا، إضافة إلى رئيسه جورج بوش الصغير، وصفا بأنهما من أسوأ الذين مروا على البيت الأبيض، وبأوصاف أخرى حتى من داخل المجتمع الامريكي، اقلها "إنهم قتلة".

الدعوات إلى إغلاق ذلك المعتقل التى لم تصغى إليها الإدارة الأمريكية ظلت متواصلة، ويقال إن تأثيراتها ربما دفعت الإدارة الأمريكية أخيرا إلى التفكير بنقل المعتقل بما فيه إلى أفغانستان أو إلى أى مكان آخر من الأمكنة التى تعرف بالمناطق السوداء أو السجون السرية التى أنشأتها الولايات المتحدة الأمريكية فى أماكن مختلفة من العالم.

ما كان يجرى فى معتقل غوانتانامو لم يكن معروفا قبل أن تتفجر فضيحة سجن أبو غريب فى العراق حين تبين أن ما جرى فى سجن أبو غريب ليس سوى استنساخ لما يجرى فى غوانتانامو. مع الأخذ بعين الاعتبار أن العديد من الأمريكيين الذين مارسوا التعذيب فى أبو غريب، كانوا من ضمن العاملين فى غوانتانامو وأن كل أفعالهم كانت معروفة لدى الإدارة الأمريكية التى شرّعت هى بالأساس لهذه الأفعال.

فى غوانتانامو- هذه القاعدة البعيدة والمعزولة عن العالم والتى اختارتها أمريكا نظرا لموقعها الجغرافى المتميز بحيث يجعلها غير خاضعة للمحاكم الفيدرالية الأمريكية ولا لأى نظام قضائى آخر لتضع فيه الأسرى- كان هنالك حوالى 320 زنزانة حديدية، ثم تمت زيادتها لتصبح القاعدة- المعتقل قادرة على استيعاب آلاف المعتقلين. لقد تحول المعتقل ومنذ السجين الأول إلى مكان للتعذيب بالوسائل التى لا يمكن أن يتخيل الإنسان فظاعتها. بل إن المعتقل قبل أن يصل إلى غوانتانامو يكون قد وصل إلى حدود الانهيار الجسدى بفعل المعاملة التى يلقاها منذ لحظة الاعتقال.

لقد تم نقل الأسرى فى يناير 2002 عبر طائرة للبضائع لا نوافذ لها وعيونهم معصوبة وأفواههم مكممة والأيدى مربوطة بسلاسل حديدية إلى الأرجل بعد أن تم فرزهم وحلق رؤوسهم ولحاهم وتكبيلهم بالسلاسل والأغلال الحديدية التى لا تتوافق مواصفاتها حتى مع تلك التى تسمح بها القوانين الأمريكية لتكبيل أعتى المجرمين. ولم يكتف الجنود الأمريكيون بذلك بل إنهم كانوا يقيدون هؤلاء الأسرى بسلاسل تُشدّ إلى مقاعدهم فى الطائرة التى تنقلهم إلى جونتانامو وتُغطى رؤوسهم أثناء الرحلة الجوية.

ومع وصول الأسرى إلى المعتقل تبدأ رحلة أخرى من التعذيب ففى المعتقل معسكران أكس ودلتا، ويتم احتجاز كل أسير على انفراد فى زنازين يمكن رؤية الأسير داخلها من جوانبها الأربعة، فيما لا يرى الأسير أى شيء مما يجرى فى الخارج، وطول كل منها متران وعرضها متر وثمانية سنتمترات، سقفها معدنى وأرضها من الإسمنت الذى يلهب الأقدام، زنازين ينام فيها الأسير وهو مكبل بسلاسل مربوطة بالجدران ولا يُسمح له بالتحرك إلا لفترة قصيرة عندما يقوم الحرس باصطحابه للسير معهم وهو مكبل الأيدي، هذا ما يحدث فى معسكر اكس. أما فى معسكر دلتا فالزنازين ضيقة مصنوعة من الفولاذ وهى أصغر من أقفاص معسكر أكس موزعة ضمن 10 مجموعات، وهناك إضاءة قوية للمعسكر المحاط بشبكة سميكة خضراء تمنع الرؤية من الخارج، وتستخدم الأضواء 24 ساعة يومياً.

بعد ست سنوات وبالرغم من تبين أن العشرات من الأسرى معتقلون على الشبهة، لا زال معتقل غوانتانامو يشكل وصمة عار فى جبين الإدارة الأمريكية ولا زالت المؤسسات الحقوقية عاجزة عن وضع حد لما يجرى فيه.