زيارة إلى غوانتانامو

وليد جواد

مجرد ذكر غوانتانامو يؤدي إلى إثارة فيض من المشاعر لدى الكثير من الناس لما يحمله هذا الإسم من معاني رمزية تضع خطا فاصلا بين المقبول والمرفوض ،،، بين ما هو صحيح وما هو خاطئ ،،، بين العدل والظلم. تدرك أمريكا حكومة وشعبا مدى سلبيّة صور غوانتانامو وما يمكن أن يتخيله البعض عن ما يحدث هناك ومدى تأثير ذلك على سمعتنا ،،، نحن نتذكر صور المعتقلين وهم قابعين على الأرض مغممين الأعين مرتدين زيّا برتقاليا. ومع أننا نقول أن غوانتانامو هي ضرورة فرضتها علينا الظروف إلا أننا لسنا راضين عنها. فلم تكن قاعدة غوانتانامو البحرية الواقعة في كوبا مُهَيّأة لاستقبال المعتقلين في بادِئ الأمر ولكنها جُهّزَت وبسرعة لتُصْبِح مكانا مناسبا لإبقاء المعتقلين الإرهابيين الخطيرين إلى حين محاكمتهم.


سوف أغادر واشنطن بعد بضعة أيام متجها إلى غوانتانامو للوقوف بعين الشاهد على واقع حال المعتقل. فأنا مثل معظم الناس كلما اعترضتني كلمة "غوانتانامو" تبادَرت إلى ذهني الصور الأولى لهؤلاء المعتقلين بملابسهم البرتقالية وهم جلوس على الأرض ، وذلك لأننا فشلنا في الإلتزام بالمفهوم الأمريكي القائل بأن هناك فرصة واحدة "لترك انطباع جيد" وهي دائما في الطّرح الأوليْ أو اللقاء الأول. وقد كان الفشل نابعا من فرط الحذر من أن يعتقد المجتمع الدولي بأن غوانتانامو هو حفرة ليس لها قاع تبتلع المعتقلين ، فأردنا أن نؤكد على أن ما يحدث هناك ليس مخفيا عن العالم. ولنتذكر أننا نحن من أخذ صور المعتقلين ،،، ونحن من نشرها ،،، ونحن من سمح للصحفيين العالميين بالحضور إلى القاعدة العسكرية هناك ،،، ونحن من يسهل وصول منظمة الصليب الأحمر الدولية كل شهر إلى المعتقلين ،،، ونحن من يرحب بممثلين الحكومات المختلفة ذات العلاقة بزيارة المعسكر ،،، كما أننا نحن من يرحب وينفذ كثيرا من مقترحات المنظمات والجهات ذات العلاقة ،،، ونعم نحن من قال بأننا نرغب في تعاون الدول التي ينتمي إليها المعتقلون لكي يأخذوا مواطنيهم الذين قررت لجنة المراجعة الإدارية إطلاق سراحهم أو تحويلهم ، وذلك بهدف إقفال معتقل غوانتانامو لأننا لا نرغب في أن نكون سجانو العالم.

ربما يكون حرصنا الزائد على تزويد الصحفيين بصور ومعلومات عن حال المعتقلين في بداية الأمر قد أدى إلى نتائج عكسية ، ولكن غوانتانامو تمثل معضلة قانونية حقيقية بالنسبة لنا في الولايات المتحدة. فهل من حق المعتقلين استخدام نظامنا القضائي المدني أم أن من حقنا الاحتفاظ بالمعتقلين في غوانتانامو إلى أجل غير مسمى؟ ماهي الحقوق والمسؤوليات النابعة من القبض عليهم في أرض المعركة ، وهم في وضع "محارب" ولكن خارج تصنيفات معاهدة جينيف بمعنى أنهم دون قيادة عسكرية ولا زي حربي ولا رتبة؟ هل تشملهم معاهدة جنيف نصًا أم فقط بروح قانونها؟ هل هم أسرى حرب أم أن عصر الحروب التقليدية قد ولى وانتهت معه كل التبعات؟ كل تلك وغيرها من الأسئلة يناقشها النظام القضائي الأمريكي على مستوى المحكمة العليا التي نظرت في جوانب متعددة لوضع المعتقلين في غوانتانامو ، والتي تتابع النظر في جوانب أخرى لهم هذا العام 2008. وبغض النظر عن الأسئلة القانونية فإن الجميع – من الرئيس الأمريكي إلى من هم دونه – يتفقون على الالتزام بمعاملة المعتقلين بما تمليه مبادئ المعاملة الإنسانية.

سوف تتكشف الأحداث بمرور الزمن أما اليوم فإنني لا أحمل ذرة تعاطف لحال المعتقلين في غوانتانامو فمعظمهم أناس قد حملوا السلاح ضد الولايات المتحدة وأُلقي القبض عليهم في أرض المعركة أما الباقون فقد خططوا أو سهلوا أو تعاونوا على استهداف المصالح أو الرموز أو الأراضي الأمريكية. ومع كل ذلك فإنهم في حقيقة الأمر يتلقون معاملة أفضل من غيرهم من المعتقلين والسجناء القابعين في معتقلات تتبع لدول أخرى عديدة. فقام الإعلاميون بزيارة معتقل غوانتانامو أكثر من ثلاثة ألاف مرة ، والمحامون بأكثر من ألف زيارة ، وذلك بالإضافة إلى زيارات ممثلي حكومات الدول التي يتبع لها المعتقلون ، ناهيك عن الزيارات الشهرية لمنظمة الصليب الأحمر التي نفذنا العديد من اقتراحاتها لتحسين الأوضاع هناك.

لقد وصل عدد المعتقلين في غوانتانامو في أقصاه إلى حوالي سبعمائة وخمسين معتقلا ، وانخفض العدد بشكل مستمر عبر الفترة الماضية إلى أن وصل اليوم إلى أقل من ثلاثمائة معتقل ، وبالتحديد يقبع اليوم في غوانتانامو مائتين وسبعة وسبعين معتقلا فقط. نعمل الآن على تحويل الوصاية القانونية لمجموعة أكبر من المعتقلين إلى دول أخرى بشرط أن لا يساء إليهم وعلى أن تعمل تلك الدول على منعهم من العودة إلى تهديد الولايات المتحدة بأي شكل كان. وسوف تبدأ المحاكم العسكرية بعقد جلسات المحاكمة في منتصف العام بحق المعتقلين المتهمين بالإرهاب أو بغيره من التهم. تلك المرافعات والجلسات ستكون مفتوحة للمراقبين الدوليين.

إذن الأيام القليلة القادمة ستأخذني إلى عالم مختلف يبتعد عن العاصمة واشنطن ،،، بعيدا عن الأروقة الحكومية ،،، بعيدا عن مكتبي. رغبتي في الذهاب ليست نابعة من حب استطلاع أو فضول ،،، ولا هي من أجل السفر أو الذهاب إلى مكان جديد ، فأنا لست من محبي الطائرات. سفري إلى غوانتانامو يأتي في إطار الوقوف على حال المعتقل ،،، من أجل رؤية الوضع على حقيقته ،،، من أجل الاستفسار ،،، من أجل المعرفة ،،، فأنا أدرك بأن الصور التي تتبادر إلى ذهني عن غوانتانامو هي من الماضي ،،، وأنا لا أريد أن أبقى حبيس الماضي ،،، بل أريد معرفة الحاضر ،،، لكي أتفهم المستقبل. وفي اعتقادي ، أن معظم القراء يشاركونني رغبة التعرف على الحقيقة المجردة ، وعليه سوف أشارككم بما سأطلع عليه في المعتقل فور عودتي من قاعدة غوانتانامو البحرية الأسبوع المقبل.