نظام الأسرى في الإسلام
بقلم الشيخ / سلمان العودة
شرع الله سبحانه الأسر كما في قوله تعالى : "حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق" والحرب الشرعية العادلة لابد منها لمقاومة المعتدين والظالمين ودفع العدوان وإزالة العقبات التي تحول بين الناس وبين معرفة الحق واتباعه ، فإن الأسر جزء من مقتضيات الحرب ، ولهذا قال سبحانه : " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب " وهذا طبيعي فلا يتوقع أحد أن يقال : إذا لقيتم الذين كفروا فانثروا الورود والرياحين في وجوههم ؛ لأن المقام مقام حسم ومصارمة ، يقول المتنبي :
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى وقال أحمد شوقي :
والشر إن تلقه بالخير ضقت به ذرعـــاً وإن تلقه بالشر ينحسم ولآخر :
والناس إن تركوا البرهان واعتسفوا فالحرب أجدى على الدنيا من السلم فالحرب جزء من الحياة متى كانت حرباً عادلة لا يُقصد بها مجرد التوسع الإمبراطوري الظالم ، ولا العدوان والبغي بغير حق ، وكم لهذه الحروب من أثر في بناء الحضارة وتجديد نسيجها واستئصال آفاتها .
وفي كتاب الله تعالى آيتان تتحدثان عن الأسرى :
الأولى : قول الله سبحانه وتعالى : " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " وهذه الآية نزلت بعد معركة بدر لما أسر المسلمون من أسروا من المشركين .
الثانية : قوله تعالى : " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منّا بعد وإما فداءً حتى تضع الحرب أوزارها " وفي كلام أهل العلم اختلاف ، لكن الراجح أنه ليس بين الآيتين تعارض ولا نسخ فإن المعنى واحد ، فالله تعالى يقول في الآية الأولى : "ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " فإذا أثخنوا في قتل أعداءهم حتى يكون عندهم خوف ورعب فبعد ذلك يأتي النص الآخر الذي يأذن بالأسر بعد الإثخان " إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق " فالأسر يكون بعد الإثخان وليس معه أو قبله ، فليس ثمت نهي عن الأسر ، وإنما أمر أن يكون الإثخان هو الأول ، وبعده يأتي الأسر .
فالإثخان لتحطيم قوة العدو وكسر شوكته ثم يكون الأسر ، والحكمة فيه ظاهرة ؛ لأن إزالة القوة المعتدية المعادية هو الهدف الأول من القتال ، ولهذا يقول الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار : [جملة القول في تفسير الآيات أنه ليس من سنة الأنبياء ولا مما ينبغي لأحد منهم أن يكون له أسرى يفاديهم أو يمنُ عليهم إلا بعد أن يكون له الغلبُ والسلطان على أعدائه وأعداء الله الكافرين ] .مأخوذا من ( رسالة من لأسرى المسلمين)