وقفة مع مقالة "أمريكا والأسرى"
الحمد لله القائل "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38 التوبة)
والصلاة والسلام على القائل "إِذَا ضَنَّ النَّاسُ بالدِّينَار والدِّرْهَم، وَتَبَايَعُوا بالعِينَةِ، واتَّبَعُوا أذْنَابَ البَقَرِ، وَترَكُوا الجِهَادَ في سَبِيلِ الله، أنْزَلَ الله بِهِمْ بَلاَءً، فلم يَرْفَعْهُ عَنْهُمْ حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينهُم" (أبو داود \ حسن)
أما بعد:
فلقد كتب العلامة المحدث الشيخ سليمان بن ناصر العلوان – حفظه الله وسدد خطاه – مقالة جميلة – كعادته - تثلج صدور المؤمنين وتغيظ الكفار والمنافقين حض فيها على التمسك بحق المسلمين في أسراهم وبيّن بالأدلة العلمية وجوب فكاكهم من أيدي الكفار الصليبيين .
لا شك أن هذا الحكم (حكم وجوب فكاك الأسرى) لا يختلف فيه أحد ، ولا يجادل في ذلك من له أدنى علم بفقه الجهاد ومقاصد الشريعة الإسلامية ، وهذه الوقفة مع الشيخ - حفظه الله – ليست لمناقشة هذا الحكم الذي ذكر فيه الإجماع ، ولكن هذه الكلمات هي بيان الواقع الذي نعيشه ، واقتراح لأسلوب ضمان حق هؤلاء الأسرى وغيرهم ممن تخطط القوى الكافرة للزج بهم في سجونها.
لقد لفتت انتباهي جملة ذكرها الشيخ – حفظه الله – في مقالته حملتني على كتابة هذه الكلمات ، حيث قال "من أمن العقوبة أساء الأدب" ، فهذه الكلمات القليلة تحمل في طياتها حقيقة واقعنا اليوم ، وحال أعدائنا معنا !!
لقد دعى الشيخ – حفظه الله – في مقالته إلى ضرورة فداء هؤلاء الأسرى بالمال ، وأن هذا واجب على المسلمين باتفاق العلماء ، ولكن السؤال هنا: هل سترضى أمريكا بهذا الفداء !! هل تحتاج أمريكا إلى هذه الأموال القليلة !! وهل إذا دفعنا هذه الأموال ستتوقف أمريكا عن أسر المسلمين في كل مكان والزج بهم في غياهب جوانتانامو !!
إن كثير من الناس لا يُدرك حجم الإقتصاد الأمريكي ، فهذا الإقتصاد لم يكن لأي دولة عرفها التاريخ قديماً أو حديثاً .. إن دخل أمريكا القومي يفوق التسعة تريليونات دولار في السنة (التريليون = ألف مليار ، والمليار = ألف مليون ، والمليون = ألف ألف) ، وأقرب دخل لدولة إلى هذا الرقم هي اليابان (حوالي خمسه تريليون دولار) ..
وواقع إقتصاد الدول الإسلامية أليم جداً حيث أن دخل ولاية كاليفورنيا الأمريكية وحدها يكاد يعاد دخل الدول الإسلامية مجتمعة !! أما دول الخليج العربي البترولية (الكويت ، السعودية ، قطر ، الإمارات ، البحرين ، العراق) فمجموع دخولها السنوي يعادل ما يقارب 75% من دخل شركتين أمريكيتين فقط (جنرال موترز - فورد).
إن الحكومة الأمريكية لا تكترث بهذه الآلاف أو المليونات التي قد يدفعها إليهم المسلمون ، ولا يمكن لأمريكا أن تطلق سراح هؤلاء الأسرى بسبب هذه الأموال التي تعتبر قطرات صغيرة في بحر ثروتها الهائلة .. المسألة عند أمريكا ليست بضعة ملايين هنا أو هناك ، فهؤلاء المجاهدون يشكلون عقبة هائلة في وجه مخططات أمريكا الإستعمارية لإحتلال منابع النفط ومراكز الثروة في العالم ، مع تهديدهم لأمن واستقرار الدولة اليهودية التي يعتقد أكثر من 80 مليون من نصارى أمريكا أن خدمة هذه الدولة واجب مقدس (ومن ضمن هؤلاء أعضاء الحكومات الأمريكية المتعاقبة).
إن تحرير هؤلاء الإسرى لا يكون بإغراء أمريكا بالمال ، بل بترويعهم بالقتل .. يقول الله سبحانه وتعالى ""وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم .. " (النحل : 126) .. إن أمريكا لا تعتمد على قوتها العسكرية للإنتصار على المسلمين وإذلالهم بقدر ما تعتمد على هزيمة المسلمين النفسية ببث الرعب في قلوبهم وتخويفهم من بطشها ..
إن خوفنا من أمريكا ليس بسبب قنابلها النووية أو الإنشطارية ، بل هو نابع من هزيمتنا النفسية التي سببها حب هذه الدنيا الفانية والتمسك بها ، ويوم أن ييأس المسلمون من هذه الدنيا ويبيعونها ابتغاء مرضاة الله ، عندها ينقلب هذا الخوف إلى جُرأة تُخيف أمريكا وقوى الكفر مجتمعة.
إن أمريكا لم تتجرأ علينا إلا بسكوتنا عنها في بادئ الأمر وتركنا لها الحبل على الغارب دون فزعة أو انتقام ، ولعل في المثال الذي ذكره الشيخ حفظه الله عظة وعبرة ، حينما قال "فهذا الحكم بن هشام أمير الأندلس لما سمع أن امرأة مسلمة أخذت سبية ، فنادت : واغوثاه يا حكم فعظم الأمر عليه ، وجمع عسكره ، واستعد وحشد وسار إلى بلد الفرنج سنة ست وتسعين ومائة ، وأثخن في بلادهم ، وافتتح عدة حصون ، وخرب البلاد ونهبها وقتل الرجال وسبى النساء ، وغنم الأموال ، وقصد الناحية التي كانت بها تلك المرأة ، حتى خلصها من الأسر ، ثم عاد إلى قرطبة مظفراً " ، وقل ذلك عن معتصم عمورية.
بمثل هذه الأفعال يرتدع أهل الباطل ، وبمثل هذه المواقف ينتكس من انتفش من الكفار خوفاً على حياتهم أن تُصادر على أيدي المؤمنين .. وكم أعجبتني كلمات الداعية الأمريكي المسلم الشهير "مالكوم إكس" (قُتل في الستينات من القرن الميلادي المنصرم) حينما قال "إن الإسلام ليس فيه إدارة الخد الأيسر ، ولكن من صفعك على خدك الأيمن فاقطع يده حتى تضمن أن لا يرفعها على غيرك" ..
إن من أسباب الجهاد: ردع الظالم عن ظلمه وتخويفه وإرهابه ، وحفظ الدين ، وضمان الحرية للبشر ، وعدم التمكين للمفسدين في الأرض " وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (البقرة : 251) ، "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا" (الحج : 40)
إن مجال البحث اليوم لا ينبغي أن يكون في وجوب تخليص الأسرى ، فهذا في ظني أمر مفروغ منه ، بل ينبغي أن يكون الجهد في معرفة الوسائل المجدية التي تؤدي إلى تحريرهم من قبضة النصارى .. إن أخشى ما تخشاه الحكومة الأمريكية هو المعارضة الداخلية ، وهذه المعارضة المتمثلة في الشعب الأمريكي لا يمكن أن تتحرك إلا بعد أن تحس بأن سياسة حكومتها تهدد أحب الأشياء إليها ، وهي: حياتها واقتصادها.
إذا أدرك الشعب الأمريكي بأن المساس بمسلم واحد من قبل حكومتها معناه تعرض الشعب الأمريكي نفسه واقتصاده للهجمات الإسلامية ، عندها فقط سوف يتحرك الشعب الأمريكي للضغط على حكومته ، وهذا ما حصل في فييتنام: فلم يتحرك الشعب الأمريكي إلا عندما قُتل عشرات الآلاف من الجنود الأمريكان وتدهور الإقتصاد الأمريكي جراء الحرب.
ولذلك أقول: ينبغي أن تكون الدراسات والأبحاث موجهة إلى الإجابة على بعض النقاط المهمة التي أذكر بعضاً منها هنا على سبيل المثال لا الحصر:
- هل يجوز قتل الأمريكان وغيرهم من النصارى واليهود والهندوس الذين يقتلون المسلمين في أي مكان في الأرض (أو أماكن محددة) ، سواء كانوا من الجنود أو غيرهم من الرجال !!
- وهل الأمان الذي يعطيهم إياه حكام الدول الإسلامية ملزم لشعوبها خاصة إذا علمنا أن الأمريكان في بلاد المسلمين ليسوا زواراً بل متسلطين على رقاب المسلمين ، يتتبعون الشباب المجاهد ويترصدونهم بدعم من هذه الحكومات !!
- هل الجنود الأمريكان في دول الخليج من أهل الذمة الذين لا يجوز قتلهم !!
- هل يجوز ضرب المصالح الإقتصادية الأمريكية في أي مكان ، وما هيّة الكيفيّات المشروعة من هذه الضربات !!
- هل يجوز قتل من ثبت تعاونه مع العدو في حربه الصليبية ضد المسلمين ، ومن يتولى قتلهم إن لم يقتلهم الحاكم الذي يوالي الأعداء ولاءً ظاهراً !!
- هل يجوز طاعة الحكام (الذين والوا أعداء الله ولم يحكّموا شرع الله) في عدم مساندة المجاهدين بالمال والنفس والرأي !!
إذا بدأ الأمريكان بالتساقط في أرجاء الأرض ، وخسر الأمريكان وظائفهم المدنية في أمريكا نفسها ، عندها تتغير النظرة الشعبية الأمريكية لحكومتها وسوف يضغط الشعب الأمريكي على حكومته لتغيير سياساته الخارجية لضمان معيشة مستقرة كريمة في بلادهم.
هذه هي الخطوات العملية الفعلية التي يمكن أن تؤثر على الموقف الأمريكي من المسلمين .. وتلك الكلمة الصادقة التي ذكرها الشيخ "من أمن العقوبة أساء الأدب" هي تحليل دقيق للواقع الذي نعيشه اليوم .. ويذكرني حالنا اليوم بحال تلك المرأة التي نصحت ابنتها قبل الزواج ، فقالت: اختبري زوجك قبل الإقدام و الجراءة عليه، فانزعي زُجّ رمحه، فإن سكت فقطّعي اللحم على ترسه، فإن سكت فكسّري العظام بسيفه، فإن صبر فاجعلي الإِكاف على ظهره وامتطيه فإنما هو حمارُك".
لقد اختبرتنا أمريكا مراراً وتكراراً فسكتنا سكوت الأموات ، وما كانت أمريكا لتتجرأ علينا لو أننا أوقفناها عند حدها من أول وهلة .. لقد تجرّأت أمريكا علينا يوم أن عفنا لون الدماء ومنظر الأشلاء .. تجرأت أمريكا علينا يوم أن نسينا سيلسة قطع الرؤوس .. تجرّأت أمريكا علينا يوم أن هجرنا الغبار والطين والنقع .. تجرأت أمريكا علينا يوم أن عفنا القديد وأكلنا ليّن اللحوم والدجاج وأصناف الفواكه والخضار .. تجرأت أمريكا علينا بعد أن انشغل شبابنا بالكرة والطبلة وهجروا الرصاص والقنابل ..
إننا يوم أن تركنا الجهاد في سبيل الله ، ورضينا بهذه الدنيا سلط الله علينا أمريكا وغيرها ، وهذا التسليط ليس لقوتهم ولكن لضعفنا وتهاوننا في أمر ديننا "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، فقال قائل : أو من قلة نحن يومئذ ؟ قال : بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن ، فقال قائل : يا رسول الله وما الوهن ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت" (أخرجه أبو داود (الصحيحة /958) .
ومعنى الحديث كما في (عون المعبود \ مختصراً)
"يقرب فرق الكفر وأمم الضلالة أن يدعو بعضهم بعضا لمقاتلتكم وكسر شوكتكم وسلب ما ملكتموه من الديار والأموال كما يدعو أكلة الطعام بعضهم بعضا يتناولون من الطعام بلا مانع ولا منازع فيأكلونها عفوا وصفوا ، كذلك يأخذون ما في أيديكم بلا تعب ينالهم أو ضرر يلحقهم أو بأس يمنعهم ، والمسلمون يومئذ كثيروا العدد قليلوا المدد أشبه بما يحمله السيل من زبد ووسخ وذلك لقلة شجاعتهم ودناءة قدرهم ، فيُخرج الله الخوف والرعب من قلوب أعدائنا منا ويرمي في قلوبنا ما يوجب الضعف الذي يؤدي إلى إعطاء الدنية في الدين من العدو المبين .. نسأل الله العافية" ..
إن جموع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ليقفون حيارى وهم يشاهدون علوج النصارى يدخلون بحدهم وحديدهم جزيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبناء الصحابة لاهين عنهم كالأموات لا يحركون ساكناً أو يسكّنون متحركاً .. إن جزيرة العرب لها مكانة مقدسة في قلوب الشعوب الإسلامية ، وأهلها في نظرهم أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفاذه ، وجزيرة العرب على مكانتها العظيمة أصبحت اليوم قلب الصحوة الإسلامية ، وعلمائها أصبحوا علماء الأمة قاطبة ، فما قيمة الجسد إذا فسد القلب !!
ماذا يفعل المسلمون في طاجيكستان وقرغيزيا إزاء أعدائهم وهم يرون سكوت أبناء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستسلامهم لأعدائهم ، بل وتمكينهم من أقدس مقدساتهم !! لن تتحرك الأمة الإسلامية ما لم تتحرك جزيرة رسول الله صلى اله عليه وسلم .. لن يقوم للمسمون قائمة إذا لم يهب أحفاذ الصحابة للذب عن حرمات المسلمين ومقدساتهم .. كيف يقاتل المسلمون الكفار وهؤلاء يسرحون ويمرحون بأمان في جزيرة العرب !!
ألم يأنِ لأبناء الجزيرة أن ينظفوها من النجاسات والقاذورات .. ألم يأتي الوقت الذي يصحو فيه أبناء الجزيرة من سباتهم العميق ويعوا حجم الكارثة التي ألمت بالإسلام والمسلمين !! ألم يحن الوقت لأبناء الجزيرة أن يحملوا السلاح ليحرروا بلاد الإسلام من الكفار ، تلك البلاد التي فتحها أجدادهم !! كيف يتحرك المسلمون في بلاد الصين والهند وأبناء الجزيرة نيام !!
أبناء الجزيرة ينتظرون الفتاوى الربانية التي تخرج من مشكاة النبوة تدلهم على رسم طريق العز والكرامة الذي يمكّن لأمتهم في الأرض ويعيد لها أمجادها ويضع هذه الأمة موضعها الصحيح على خارطة العالم ، موضع الصدارة والقيادة والشهادة .. أبناء الجزيرة هم أبناء الحرب وأحفاذه ، ورثوه كابراً عن كابر ، فأين من يطلق أيديهم ليخوضوا في دماء أعدائهم فيكون الإرهاب الحقيقي الذي يردع كل شيطان قبل أن يوسوس للإنسان .. الإرهاب ، الإرهاب فقط هو الذي يردع أعداء الدين ، وليس غير الإرهاب حل لخلاص أسرى المسلمين ..
والله أعلم .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..
كتبه : حسين بن محمود
3 شعبان 1423 هـ